🛑فرجال... news
د.ثائرة اكرم العكيدي /كاتبة وباحثة
في كل مرة تُعلن فيها بغداد عن اتفاقيات استراتيجية مع واشنطن، تتجه الأنظار إلى الأرقام الضخمة والعناوين البراقة. غير أن وجود محافظ نينوى ضمن الوفد المرافق لرئيس الوزراء علي فالح الزيدي في زيارته إلى واشنطن يفرض سؤالاً مشروعاً لدى أبناء المحافظة. فبينما تتجه الأنظار إلى تلك الاتفاقيات يتجه نظر أبناء نينوى إلى سؤال أكثر بساطة لكنه أكثر وجعاً هل سيكون لنينوى نصيب حقيقي من هذه الاتفاقيات؟ وإذا كان الجواب نعم فما حجم هذا النصيب؟ والأهم من ذلك هل سيصل منها شيء إلى أهلها اصلاً أم سيبقون آخر من يقطف ثمار ما يُزرع فوق أرضهم؟
المحافظة التي تختزن ثروات من النفط والغاز والكبريت وتمتلك موقعًا جغرافياً يجعلها بوابة العراق نحو المنطقة لم تنل حتى اليوم ما يتناسب مع إمكاناتها. ولهذا فإن الحديث عن استثمارات أمريكية يوقظ حلمًا قديمًا؛ مطار دولي يعمل كما ينبغي، حقول تُستثمر بدل أن تُهمل مصافٍ حديثة محطات كهرباء مراكز بحثية مصانع ومدن صناعية تعيد لنينوى مكانتها الاقتصادية. لكن الأحلام وحدها لا تبني الأوطان والتجارب السابقة تجعل التفاؤل مشروطًا بالأفعال لا بالتصريحات.
فما قيمة الحديث عن ناطحات سحاب إذا كانت مشاريع الخدمات الأساسية ما تزال تتعثر؟ وما جدوى الحديث عن نهضة اقتصادية بينما مشروع مجاري الساحل الأيمن ما زال ينتظر أن يستيقظ من سباته؟ وكيف يطمئن المواطن إلى مستقبل استثماري ضخم وهو يرى مطاره أقرب إلى معلم صامت منه إلى نافذة تربط المحافظة بالعالم، ويرى مؤسساتها المالية عاجزة عن مواكبة أبسط متطلبات التنمية؟
ثم إن الاستثمار لا يحتاج إلى الأموال فقط بل يحتاج إلى بيئة آمنة.
وهنا يفرض الواقع سؤالاً لا يمكن القفز فوقه هل تستطيع الدولة أن توفر ضمانات حقيقية للشركات الأجنبية بأن مشاريعها لن تتحول إلى أهداف للصراعات المسلحة أو أوراق ضغط بيد القوى الخارجة عن سلطة القانون؟ فالشركات العالمية لا تستثمر في الخطابات بل تستثمر في الاستقرار وفي هيبة الدولة وفي قضاء يحمي العقود، وأجهزة أمن تحمي المصانع قبل أن تحمي البيانات الصحفية.
وهناك سؤال آخر ربما أكثر حساسية لكنه أكثر التصاقاً بذاكرة العراقيين هل ستعمل الشركات وفق القانون وحده أم ستجد نفسها مضطرة إلى دفع أثمان غير مكتوبة للمكاتب الاقتصادية ومراكز النفوذ؟ فهذا السؤال لم يولد من فراغ بل من تجارب طويلة دفعت فيها مشاريع كثيرة كلفة الفساد أكثر مما دفعت كلفة البناء. وإذا لم يُحسم هذا الملف فإن أي اتفاقية مهما كان حجمها ستبقى معرضة لأن تتحول إلى فرصة جديدة للفاسدين، لا إلى نافذة أمل للمواطنين.
أما الحديث عن الولايات المتحدة فيجب أن يُقرأ بواقعية بعيداً عن العواطف. فواشنطن لا تتحرك بدافع الإحسان وإنما بمنطق المصالح. والرئيس الأمريكي لا يدفع الأتاوات لأحد بل يسعى إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب لبلاده. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ماذا تريد أمريكا من العراق؟ فهذا معروف.
بل هل ستلتزم بما توقعه هذه المرة أم أن الاتفاقيات ستلقى مصير سابقاتها فتتبدل الأولويات مع تغير المصالح ويبقى العراقيون يطالعون صور التوقيع أكثر مما يشاهدون نتائج التنفيذ؟
نينوى لا تحتاج إلى بيانات جديدة، بل إلى خطوة واحدة تثبت أن زمن التهميش قد انتهى. تحتاج إلى أن ترى ثرواتها تتحول إلى مصانع وفرص عمل ومطارها إلى بوابة اقتصادية حقيقية وخدماتها الأساسية تسبق الأبراج الزجاجية في سلم الأولويات. فالمدينة التي دفعت أثمان الحروب والإرهاب والنزوح تستحق أن تكون أول المستفيدين من أي مشروع وطني لا آخر الواقفين في طابور الانتظار.
ويبقى السؤال الذي سيحكم على هذه الاتفاقيات كلها هل ستتحول إلى واقع يغير حياة الناس أم أنها ستبقى حبراً على ورق لأربع سنوات أخرى ثم يأتي من بعدها من يكتب وعودًا جديدة فوق الورق القديم؟ عندها فقط ستعرف نينوى إن كانت قد دخلت أخيراً عصر التنمية... أم أنها ما زالت تعيش في زمن الوعود...