🛑فرجال... news
بقلم دكتور محمد الشافعي
الجمعة 31/7/2026
ليست كل الحروب تُشعلها المدافع، ولا كل المعارك تبدأ بصافرات الإنذار؛ فبعضها يبدأ بخطابٍ يؤجج المشاعر، وخطوةٍ تستفز الضمائر، وضربةٍ عسكريةٍ تفتح أبواب التأويل قبل أن تفتح أبواب القتال. وما أخطر أن تتحول الأوطان إلى ساحاتٍ للصراع، وأن تتحول الطوائف إلى وقودٍ للحريق، وأن يصبح الدم العربي جسراً تعبر عليه مشاريع الآخرين.
لقد جاءت الضربات الأخيرة التي استهدفت مواقع للحشد الشعبي في العراق في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، وبعد سلسلة من التطورات المتسارعة، الأمر الذي دفع كثيراً من المراقبين إلى التساؤل: هل نحن أمام رد عسكري محدود، أم أمام مسار قد يفضي إلى إعادة إنتاج الانقسام المذهبي الذي دفعت المنطقة ثمنه باهظاً طوال العقدين الماضيين؟
إن أخطر ما في الأزمات ليس الرصاصة الأولى، بل الرواية الأولى؛ فإذا أُلبست الأحداث ثوب الطائفة بدل ثوب السياسة، وتحوّل الخلاف إلى صراع هوية، أصبح العقل أسيراً للعاطفة، وأصبحت الأمة تقاتل نفسها نيابةً عن غيرها.
وليس خافياً أن العراق، بتنوعه الديني والمذهبي والقومي، يمثل أكثر الساحات قابليةً للتأثر بأي استقطاب إقليمي. كما أن المملكة العربية السعودية تمثل ثقلاً سياسياً ودينياً كبيراً في العالم العربي والإسلامي. وأي توتر بينهما، أو أي تصوير للأحداث على أنها مواجهة بين معسكرين مذهبيين، لن تكون كلفته محصورة في حدود البلدين، بل قد تمتد آثارها إلى المنطقة بأسرها.
ومن هنا، فإن الحكمة تقتضي ألا يُستدرج العراقيون، سنةً وشيعةً، إلى معركة تُبنى على الانقسام لا على المصلحة الوطنية، وألا يُدفع العرب إلى اصطفافاتٍ تُغذّي الخصومة وتُضعف التضامن. فالعراق لا يحميه إلا تماسك أبنائه، والسعودية لا يخدمها إلا استقرار جوارها، والمنطقة بأسرها لا تحتمل دورة جديدة من الفتن.
لقد علمتنا التجارب أن الفتنة إذا اشتعلت أحرقت الجميع، وأن الطائفية إذا استيقظت لا تعترف بحدود ولا بسيادة، وأن الرابح في صراعات الإخوة ليس الأخ، بل من يتفرج على الخراب وهو يجني ثماره.
إن الواجب اليوم ليس البحث عن وقودٍ للخلاف، بل عن جسورٍ للحوار؛ وليس توسيع دائرة الاتهام، بل تضييق دائرة الاشتعال. فالأمم التي لا تتعلم من جراحها، تُكتب عليها جراحٌ جديدة، والشعوب التي تجعل اختلافها لعنةً، تمنح خصومها نعمةً مجانية.
فليكن صوت العقل أعلى من صوت السلاح، وصوت الوطن أعلى من صوت الطائفة، وصوت الحكمة أعلى من ضجيج التحريض؛ فالأوطان لا تُبنى بالثأر، ولا تُصان بالانقسام، وإنما يحفظها وعي أبنائها، وإدراكهم أن الفتنة إذا دخلت داراً، خرج الأمن من أبوابها، ودخل الخراب من نوافذها.