🛑فرجال... news
د.ثائرة اكرم العكيدي /كاتبة وباحثة
حين تنكسر مرايا الوهم وتتراءى الحقائق عارية بلا رتوش يدرك الإنسان أن الحياد في معركة الوجود خيانة وأن الركون الى السلامة مع استشراء الباطل هو موت بطيء للضمير.
لم تكن مواجهة الفساد يوماً مواجهة دموية أو صراع بقاء مفتوح يُحسم بالشعارات الرخوة والوعود الفضفاضة
بل هي مخاض عسير تتهشم على صخرته آمال الطامعين وتتكسر دونه أطماع العابثين بمقدرات الشعوب.
إنها معركة لا تقبل الحلول الوسطى، ولا تحتمل الضبابية أو المواقف الرمادية في مواقف الرجال .
عشرون عاماً، بل ويزيد وهي تبنى بصمت مريب إمبراطوريات من الفساد شُيدت على أنقاض الحلم الإنساني والتهمت الأخضر واليابس من عرق الكادحين وجوع المحرومين. لم يكتفِ هؤلاء اللصوص بنهب الثروات بل أقاموا حول عروشهم العفنة قلاعاً من الخوف، وأحاطوا أنفسهم بالجدران العازلة والأسلاك الشائكة وأكداس العتاد ظانين أن حديد السلطة يكفي لرد طوفان الغضب الآتي.
لقد استنزفوا مقدرات الأوطان وحوَلوها الى غنائم في ميزان عصابات لا تعرف للوطن حرمة ولا للضمير إنسانية ناسين أن الجدران مهما علا بنيانها ترتجف أمام إرادة الشعوب الحية والضمير الحُر.
وهل ظننت ولو للحظة أن أرباب الفساد سيلقون أسلحتهم ويستسلمون بالورود؟ كلا بل سيقاتلون بشراسة الوحوش الكاسرة ولن يتورعوا عن خوض بحور من الدماء حفاظاً على مكاسبهم وعروشهم. هم يعلمون حجم جرائمهم وهول ما اقترفت أيديهم ولذا تركتهم حيرتهم يتخبطون بين بطش أعمى وخوف متأصل من مصيرهم المحتوم. من هنا يصبح استماعنا لصوت الخوف خيانة صريحة لأجيال الحاضر والمستقبل.
هذه ليست مجرد معركة سياسية عابرة بل هي حرب وجود صلبة نخوضها غيرة على عينَي كل طفل في حاضرنا وحماية للأحفاد كي لا يرثوا عبودية الخنوع والذلوالحرمان.
لن ننتظر عبثاً أن يستيقظ ضمير الوحش أو يرفرف حمام السلام في ديار استوطنها الخراب بل سنبرم أمرنا على تقليم أظافره وقلع أنيابه وتفكيك حصونه حجراً حجراً حتى نقتاده رغماً عن كبريائه المزيف إلى منصات العدالة الناجزة. إن المثالية لا تكمن في الإيمان المطلق بالتغيير بل في التوهم الساذج بأن هذا الشلل المزمن يمكن أن يدوم إلى الأبد وكأن الزمن قد وقف لديهم.
إن الصرخة التي تطلقها اليوم في وجه الفساد والمفسدين ليست صوتاً عابراً في وادٍ مهجور بل هي اللبنة الأولى في بناء وعي جمعي يرفض الهزيمة النفسية قبل المادية.
وحين يتطهر الوعي من وزر الخوف والتردد تتهاوى عروش الطغاة كبيوت من تراب أمام هبوب عاصفة الأحرار. الدرب طويل ومضرج بالتضحيات لكن العدالة آتية لا محالة وفجر الحقيقة قادم لا ريب فيه..