🛑فرجال... news
قد يتفاجأ القارئ حين يسمع مصطلح «صهينة الإسلام المحمدي»، وربما يراه غريبًا أو مثيرًا للجدل، إلا أن المقصود هنا ليس اتهام الإسلام أو المسلمين، وإنما محاولة نقد ظاهرة فكرية وسياسية يرى الكاتب أنها أسهمت في تشويه صورة الإسلام، حين جرى توظيف بعض القراءات الدينية المتشددة لخدمة الصراع والسلطة والنفوذ.
إن المقارنة بين بعض القراءات الدينية المتطرفة وبين بعض الأفكار الواردة في التراث الديني والسياسي لليهودية أو غيرها من الديانات لا تعني بالضرورة مساواة الأديان نفسها، وإنما تتعلق بكيفية توظيف النصوص والعقائد عندما تتحول من منظومة روحية وأخلاقية إلى أداة لإقصاء الآخر وتكفيره واستباحة حقوقه.
ومن أخطر الظواهر التي شهدها العالم الإسلامي خلال العقود الماضية انتشار الفكر التكفيري الذي تبنته جماعات وقراءات متشددة، وجرى تقديمه أحيانًا تحت عناوين مثل «التوحيد»، أو «الفرقة الناجية»، أو «اتباع السنة والسلف الصالح»، أو «طاعة ولي الأمر».
وقد أدى هذا الخطاب، في بعض البيئات، إلى خلق حالة من الاستقطاب والكراهية بين المسلمين، بحيث أصبح الاختلاف المذهبي أو الفكري سببًا للتخوين والتكفير، بل تحول في بعض الحالات إلى مبرر للعنف والقتل.
وتكمن المشكلة، في نظر الكاتب، في أن بعض التيارات لم تكتفِ بتقديم فهم خاص للدين، بل تعاملت مع قراءتها بوصفها الحقيقة المطلقة، وجعلت مخالفيها خارج دائرة الإسلام، سواء باتهامهم بالشرك أو البدعة أو الارتداد أو غير ذلك من المصطلحات التي استُخدمت تاريخيًا في الصراعات المذهبية.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل أصبح بعض المسلمين أسرى لقراءات تراثية ومذهبية معينة، بدل أن يعودوا إلى جوهر الرسالة المحمدية القائمة على التوحيد والرحمة والعدل وصيانة الإنسان؟
إن الإسلام الذي جاء به النبي محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، لم يكن مشروعًا لإلغاء الإنسان أو إذلال المخالف، بل جاء برسالة أخلاقية تؤكد العدل والرحمة وكرامة الإنسان. ولذلك فإن تحويل الدين إلى وسيلة لإنتاج الكراهية والعنف يتناقض مع جوهر الرسالة التي يفترض أن تقوم على إصلاح الإنسان والمجتمع.
كما أن التعامل مع كتب التراث، مهما بلغت مكانتها التاريخية، ينبغي ألا يتحول إلى تعطيل للعقل أو إلى وضعها فوق النقد والمراجعة. فالتراث نتاج بشري تشكل في ظروف تاريخية وسياسية واجتماعية مختلفة، ومن حق الأجيال أن تعيد قراءته وفق مقاييس العلم والعقل ومقاصد الدين.
ومن المؤسف أن صورة الإسلام في أجزاء من العالم ارتبطت، خلال العقود الأخيرة، بأفعال الجماعات الإرهابية والتكفيرية التي مارست القتل والتفجير واستهداف المدنيين ودور العبادة والأسواق والشوارع العامة، الأمر الذي أضر بصورة المسلمين جميعًا، رغم أن غالبية المسلمين ترفض الإرهاب والعنف.
والعراق، الذي دفع ثمنًا باهظًا نتيجة الإرهاب والطائفية، يمثل مثالًا واضحًا على خطورة تحويل الاختلاف الديني والمذهبي إلى مشروع سياسي وأمني. فقد عانى العراقيون من القتل والتهجير والتفجيرات على أساس الهوية، بينما كان الدين في كثير من الأحيان يُستخدم غطاءً لتبرير صراعات سياسية ومشاريع نفوذ.
ومن هنا تأتي مسؤولية المثقفين والمفكرين ورجال الدين المعتدلين في مراجعة الخطاب الديني، والوقوف بوجه كل مؤسسة أو جماعة تجعل من التكفير وسيلة للسيطرة على المجتمع.
ولا ينبغي أن تكون هذه المراجعة موجهة ضد مذهب أو طائفة بعينها، وإنما ضد منهج التكفير والعنف واستغلال المقدس لتحقيق أهداف سياسية أو سلطوية.
إن مواجهة التطرف لا تكون بتطرف مضاد، ولا بإقصاء طائفة لصالح أخرى، وإنما بإعادة الاعتبار إلى العقل والقرآن والقيم الأخلاقية الكبرى التي تجمع المسلمين، وفتح باب الاجتهاد والنقد والمراجعة، وتعزيز مفهوم المواطنة وحرمة الدم وكرامة الإنسان.
إن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه المثقف المسلم اليوم ليس: من هو المسلم الذي يجب أن أكرهه؟ بل: كيف أستعيد صورة الإسلام الذي جاء بالرحمة والعدل والكرامة؟
وهل نستطيع أن نراجع خطابنا الديني بشجاعة، وأن نقف أمام المؤسسات التي أسهمت في تكريس الانقسام والتعصب، لنميز بين الإسلام بوصفه رسالة سماوية، وبين القراءات البشرية التي تراكمت حوله عبر التاريخ؟
إن الدين لا يحتاج إلى العنف كي ينتصر، ولا يحتاج إلى تكفير الآخرين كي يثبت وجوده. الدين الذي يستحق أن يحمل اسم الإسلام هو الذي يحفظ الدماء، ويصون الكرامة، ويرفض الظلم، ويواجه الجهل، ويجعل الإنسان مسؤولًا أمام الله عن أفعاله لا عن هوية الآخرين.
وفي النهاية، فإن التاريخ لا يرحم من يستخدم الدين لتبرير الظلم والاستعلاء. وكل سلطة تقوم على القهر والكراهية مصيرها الزوال، ويبقى المعيار الحقيقي هو العدل والتقوى وصيانة الإنسان.
الله أكبر، ولتكن كلمة الإسلام كلمة رحمة وعدل وسلام، لا أداة للتكفير والقتل والصراع.