🛑فرجال... news
حين علقت على منشور فيسبوكي: ‘‘هزلت إذا كان هذا سفير العراق"، سألني أحدهم: عن السبب؟
لم أحب أن أجيبه بتعليق عابر؛ فبعض الكلام أوسع من أن يُحشر في سطر، وبعض المواقف تحتاج مقالاً يُقال فيه ما لا يُقال في تعليق.
المسألة ليست في سفير بعينه، ولا في خصومة شخصية مع أحد، وإنما في حالٍ دبلوماسيةٍ صار فيها معيار الاختيار أقرب إلى الولاء منه إلى الكفاءة، وإلى المحاصصة منه إلى المعرفة، وإلى الرضا الحزبي منه إلى رضا الوطن.
فالسفير ليس صاحب منصب فحسب، بل هو وجه العراق حين يغيب العراق، ولسان العراق حين يصمت العراق.
ينبغي أن يكون فصيح اللسان، رصين البيان، حسن الهيئة، حاضر البديهة، واسع الثقافة، عارفاً بالسياسة وأدواتها، خبيراً بفنون التفاوض ومزالق الكلام.
ولكن سفراء اليوم لا لغة لهم إلا لغة الولاء، ولا خبرة إلا خبرة الحزب، ولا زاد في الدبلوماسية إلا تزكية هذا أو ذاك، فذلك ليس تمثيلاً للعراق، بل تمثيلٌ لاسيادهم الذين جاؤوا بهم.
لقد ابتُلي العراق، ويا للأسف، ببعض سفراء لا تسعفهم لغة، ولا تزينهم لياقة، ولا تشفع لهم خبرة؛ وما لهم من مؤهلات ظاهرة إلا انتماءٌ حزبي أو ولاءٌ طائفي أو صلةٌ بهذه الجهة الإقليمية أو تلك.
وهنا تبدأ الحكاية الساخرة.
سمعتُ قبل فترة أحد السفهاء إعلامياً من دويلةٍ جارة يتطاول على العراق، فوصفه بـ ‘‘جمهورية الموز".
كدتُ أنبري له لأكف فاه برصاص قلمي، ثم توقفت وسألت نفسي:
من أي نافذة رأى هذا المسخ موز العراق؟
وكيف تجرأ على بلدٍ كان أسلافه يسمونه العراق العظيم؟
ثم تذكرت بعض من أُرسلوا سفراء للعراق، وتذكرت كيف غلبت المحاصصة الكفاءة، والولاءُ الخبرة، والانتماءُ الاستقلالية؛ فعذرته وقلت في نفسي:
ليحمد الله أن شعوب جمهوريات الموز لا تعرف العربية، وإلا لطالبوه بالاعتذار ، لأنهم لم يصلوا الى هذه الانحطاط المهني بعد!
فالمشكلة ليست أن خصماً أساء إلى العراق؛ فالخصوم كثيرون، وسوءهم لا يضرنا.
المصيبة أن يجد الخصم في بعض ممثلي العراق ما يجرئه، وفي بعض سفاراتنا ما يغريه، وفي بعض تعييناتنا ما يجعله يظن أن هذا البلد العظيم قد فقد القدرة على انجاب عظيم يمثله.
الدبلوماسية ليست بدلة أنيقة، ولا جوازاً دبلوماسياً، ولا مقعداً في سفارة.
إنها لسانٌ حصيف، وعقلٌ راجح، وحضورٌ مهيب، وثقافةٌ واسعة، وتجربةٌ طويلة، وولاءٌ لا يكون إلا للعراق.
والسفير الذي يدخل السفارة بعقل الحزب، ويخرج منها بلسان الطائفة، ويتحرك بإشارة الخارج، ليس سفيراً للعراق، مهما حمل من لقب ومهما ازدانت أمام اسمه كلمة ‘‘سعادة".
فالعراق ليس حزباً، ولا طائفة، ولا ساحة نفوذ، ولا جائزة ترضية.
العراق وطنٌ عظيم، ومن عظمة الأوطان أن يكون سفراؤها على قدر عظمتها.
فإن عجزنا عن إرسال الأكفأ، فلا أقل من ألا نرسل من يجعل العراق بحاجة إلى سفيرٍ آخر… يدافع عن سفيره!
وحينها فقط يحق لنا أن نقول:
هزلت… إذا كان هذا سفير العراق.