🛑فرجال... news
ثائرة اكرم العكيدي/كاتبة وباحثة
لم تكن تشرين يوماً مجرد موجة احتجاج عابرة ولم تكن بضعة أيام من الغضب يمكن أن تطويها السنوات أو تمحوها بيانات النفي والتبرير. تشرين كانت لحظة انكشاف كبرى في تاريخ العراق الحديث لحظة خرج فيها جيل كامل من صمته ليضع الدولة أمام مرآتها ويطالب بحقوق لم تكن ترفاً ولا امتيازاً بل أبسط شروط الحياة وطن يحمي أبناءه وقانون يسري على الجميع ومؤسساتٌ لا تخضع للمحاصصة وسيادةٌ لا تتوزع بين مراكز النفوذ والسلاح. ولهذا فإن السؤال الذي ظل يطارد العراقيين منذ ذلك الخريف الدامي ..
لماذا خرج الشباب؟
بل.. لماذا قوبلت أصواتهم بالرصاص؟ ومن أعطى الأمر؟
ومن حمى القتلة؟
ومن عطل العدالة؟
ومن سيحاسب هؤلاء المجرمين؟
لسنوات طويلة جرى دفع الحقيقة إلى الزوايا المعتمة.
كان القاتل دائماً مجهولاً والقناص بلا اسم والرصاصة بلا مصدر والمغيب بلا مسؤول وكأن الدم الذي سال في بغداد والناصرية وسواهما قد خرج من العدم.
كلما اقترب السؤال من الحقيقة ارتفعت جدران الإنكار وتكاثرت الروايات التي تحاول نقل الجريمة من خانة المسؤولية إلى خانة(الظروف) ومن خانة القتل إلى خانة (الدفاع عن الدولة) حتى بدا المشهد في واحدة من أكثر صوره قسوة: دولةٌ تبحث عن تبرير ما حدث أكثر مما تبحث عن مرتكبيه.
لكن المشكلة تصبح أخطر حين تتحول بعض التصريحات السياسية إلى محاولة لإعادة تعريف الجريمة نفسها. حين يُعاد تقديم القوة التي واجهت احتجاجات تشرين باعتبارها (مقاومة) وحين يُوصف الاحتجاج السلمي بأنه فتنة فإن الأمر لا يعود مجرد اختلاف في التوصيف السياسي بل يصبح صراعاً على الذاكرة العراقية ذاتها على من يكون شهيداً ومن يكون متهماً ومن يكون بطلاً ومن يكون قاتلاً.
إنها محاولة لقلب ميزان الحقيقة بحيث يُطلب من أم الشهيد أن تعيد النظر في ابنها ومن الأب الذي ينتظر ولده المغيب أن يسأل نفسه إن كان يستحق البحث عنه ومن الجريح الذي يحمل الرصاصة في جسده أن يشعر بالخجل من جرحه.
أي منطق هذا الذي يجعل شاباً يرفع صوته مطالباً بوطن فتنة بينما يصبح من يواجهه بالسلاح حامياً للدولة؟
أي دولة تلك التي تخاف من هتاف مواطنيها أكثر مما تخاف من السلاح الخارج عن القانون؟ وأي وطن يمكن أن يُبنى إذا أصبح المطالب بالحقوق خطراً، وأصبح منتهك الحق صاحب فضل؟
لقد خرج شباب تشرين لأنهم أرادوا الحياة لا لأنهم أرادوا خراب العراق. خرجوا لأن البطالة أغلقت أبواب المستقبل أمامهم ولأن الفساد نهش مؤسسات الدولة ولأن الخدمات تحولت إلى وعود موسمية ولأن المواطن وجد نفسه غريباً في وطنه. خرجوا ليقولوا إن العراق أكبر من الأحزاب، وأبقى من الحكومات وأقدس من مصالح المتنفذين. وحين هتفوا (نريد وطن) لم يكونوا يطلبون المستحيل كانوا يطالبون بوطن لا يُقتل فيه الإنسان لأنه قال الحقيقة، ولا يُغيّب لأنه رفع صوته، ولا يصبح فيه القانون انتقائياً بحسب موقع الجاني وانتمائه.
إن الفتنة الحقيقية ليست في شاب خرج إلى ساحة التحرير أو الناصرية أو أي مدينة عراقية ليطالب بحقه. الفتنة الحقيقية أن يصبح السلاح أقوى من الدولة وأن تتعدد مراكز القرار وأن تُختزل المؤسسات في مصالح القوى السياسية وأن يتحول المال العام إلى غنيمة والوظيفة إلى مكافأة حزبية والانتخابات إلى موسم لشراء الولاءات وأن يشعر المواطن بأن الدولة لا تستطيع حمايته إلا إذا كان قريباً من أحد مراكز النفوذ.
لهذا فإن ملف تشرين ليس ملفاً سياسياً قابلاً للمساومة ولا ورقة يمكن استخدامها في الصراعات الانتخابية ثم رميها جانباً. إنه ملف عدالة وكرامة وحق عام. العدالة لا تعني الانتقام ولا تعني استهداف طرف لمجرد انتمائه السياسي العدالة تعني أن يعرف العراقيون الحقيقة كاملة وأن تتم محاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان اسمه أو موقعه أو الجهة التي تقف خلفه. فالقانون الذي لا يصل إلى القاتل يفقد هيبته والدولة التي تعجز عن إنصاف ضحاياها تفقد جزءاً من شرعيتها الأخلاقية.
لا يمكن مطالبة أمهات الشهداء بالنسيان بينما لم تُغلق أبواب الحقيقة. ولا يمكن مطالبة الجرحى بأن يتجاوزوا الماضي بينما ما زالت آثار الرصاص على أجسادهم شاهدة على ما جرى. ولا يمكن أن يُطلب من العراقيين أن يثقوا بمؤسسات العدالة إذا رأوا أن الدم يمكن أن يتحول إلى ملف مؤجل وأن السنوات تستطيع أن تمنح الجريمة حصانة غير معلنة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للعراق ليس أن تتأخر العدالة، بل أن يُعاد تعريف الظلم على أنه بطولة، وأن يُعاد تقديم الضحية باعتبارها المشكلة وأن يصبح القاتل جزءاً من رواية الانتصار. فالأوطان لا تنهض بتزييف ذاكرتها ولا تُبنى بالسكوت عن الدم ولا تستقر حين يشعر نصف المجتمع أن الحقيقة ممنوعة من الاقتراب من أصحاب النفوذ.
ولذلك فإن الكرة اليوم ليست في ساحات الاحتجاج وحدها ولا في الخطابات السياسية ولا في سجالات مواقع التواصل. إنها في ملعب المؤسسات التي يفترض أن تكون فوق الجميع، وفي مقدمتها القضاء.
هل يستطيع القضاء أن يفتح الملفات التي بقيت عالقة؟ هل يستطيع أن يستمع إلى الشهود ويفحص الأدلة ويتتبع مصادر السلاح والأوامر ويحدد المسؤوليات دون خوف أو انتقائية؟ هل يستطيع أن يمنح عوائل الشهداء حقهم في معرفة الحقيقة لا مجرد حقهم في سماع وعود جديدة؟
إن العراق لا يحتاج إلى عدالة انتقائية يحتاج إلى عدالة تستطيع أن تصل إلى كل يد ثبت أنها شاركت في قتل أو خطف أو تعذيب أو إخفاء أو توفير غطاء لجريمة.
فإذا كان القاتل مجهولاً، فواجب الدولة أن تبحث عنه. وإذا كان معروفاً فواجب القضاء أن يحاكمه.
وإذا كان هناك من أصدر أمراً فمن واجب التحقيق أن يصل إليه.
وإذا كان هناك من وفَر الحماية والغطاء فلا ينبغي أن يكون موقعه السياسي جداراً يحجب عنه المساءلة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للعراق ليس أن تتأخر العدالة بل أن يُعاد تعريف الظلم على أنه بطولة وأن يُعاد تقديم الضحية باعتبارها المشكلة وأن يصبح القاتل جزءاً من رواية الانتصار.
فالأوطان لا تنهض بتزييف ذاكرتها ولا تُبنى بالسكوت عن الدم ولا تستقر حين يشعر نصف المجتمع أن الحقيقة ممنوعة من الاقتراب من أصحاب النفوذ.
قد تستطيع السياسة أن تؤجل الإجابة وقد تستطيع السلطة أن تغلق بعض الأبواب وقد تستطيع السنوات أن تغطي بعض التفاصيل بطبقات من النسيان لكن الذاكرة لا تموت.
قد تستطيع السياسة أن تؤجل الإجابة وقد تستطيع السلطة أن تغلق بعض الأبواب وقد تستطيع السنوات أن تغطي بعض التفاصيل بطبقات من النسيان لكن الذاكرة لا تموت. ستبقى وجوه شهداء تشرين معلقة في البيوت وستبقى صورهم في ذاكرة أمهاتهم وستبقى ساحات الاحتجاج شاهدة على جيل دفع ثمناً باهظاً لأنه أراد أن يقول إن العراق يستحق أفضل من هذا.
وفي النهاية لا يحتاج العراقيون إلى خطابات جديدة عن المصالحة بقدر ما يحتاجون إلى حقيقة واضحة وعدالة لا تستثني أحداً. فالسلام الذي يُبنى فوق دم الضحايا ليس سلاماً والمصالحة التي تُطلب قبل كشف الحقيقة ليست مصالحة والنسيان الذي يُفرض على الناس ليس نسياناً إنه شكل آخر من أشكال الظلم.
ولهذا سيبقى السؤال واقفاً، لا كصرخة سياسية عابرة بل كأمانة في عنق الدولة والتاريخ ..
من قتل أبناء تشرين؟
من وفر السلاح والغطاء؟
إن دماء تشرين لا تطلب الثأر بل تطلب الحقيقة. ولا تبحث عن انتقام بل عن دولة. ولا تريد أن تنتصر على أحد بل تريد أن تنتصر فكرة أن الإنسان العراقي لا يُقتل لأنه حلم بوطن.
تشرينُ ما ماتت ودمعُ شـهـيـدِهـا
يـبـقـى علـى وجـهِ الـزمـانِ دلـيـلا
والـعـدلُ إن طـالَ الـغـيـابُ فـإنـه
سـيـعـودُ يـومـاً لـلـقـتـيـلِ نـبـيـلا
ستبقى تشرين شاهدة وسيبقى شهداؤها شموعاً في عتمة الذاكرة حتى يأتي اليوم الذي يصبح فيه القانون أقوى من السلاح والحقيقة أقوى من التعتيم، والعدالة أقوى من كل من ظن أن السنوات قادرة على قتل الذاكرة...