🛑فرجال... news
بقلم علي الشيباني/ النجف
في الدول المتطورة و المستقرة نجد أن السلطات العاملة فيها تعمل ، و في أسلوب تكاملي دون أن تتجاوز كل سلطة على الأخرى ، مما يجعلها قائمة على مبدأ التوازن بين هذه السلطات (التشريعية و التنفيذية و القضائية) ، مما يسهم الى حد كبير في تعزيز الديمقراطية في هذه الدول ، فضلاً عن حماية حقوق الإنسان من العبث بها..!!
و في العراق مارس القضاء العراقي و خصوصاً بعد عام 2017 دوراً إيجابياً هاماً في تعزيز مرتكزات الدولة ، حيث يمثله القضاء العراقي أحد أهم ركائز الدولة الحديثة ، إذ لا يقتصر دوره على الفصل في المنازعات و تطبيق القانون ، و إنما يمتد إلى حماية الشرعية الدستورية ، و صيانة الحقوق و الحريات و ضمان إستمرارية عمل مؤسسات الدولة .
و في ظل التحديات التي شهدها العراق خلال الأشهر الأخيرة ، برز القضاء بوصفه مؤسسة دستورية ، أسهمت في معالجة العديد من الإشكالات التي نتجت عن بطء الأداء التشريعي ، أو تعقيدات العمل التنفيذي ، و ذلك من خلال تفعيل النصوص القانونية القائمة ، و توحيد المبادئ القضائية ، و تقديم التفسيرات التي ضمنت إستمرار المرافق العامة و حماية المراكز القانونية للأفراد .
لعل أي متابع يعلم أن العراق شهد خلال الفترة الأخيرة تحديات متشابكة ذات أبعاد أمنية و سياسية و إدارية و إقتصادية ، الأمر الذي فرض على السلطة القضائية ممارسة دورها الدستوري ، في تحقيق التوازن بين السلطات من خلال ممارسة تطبيق القانون ، عبر تفسير النصوص الدستورية و القانونية بشكل منفتح ينسجم مع طبيعة المرحلة ، دون أن يعني ذلك حلولها محل السلطتين التشريعية و التنفيذية ، و إنما عبر سد الفراغات القانونية التي قد تنشأ نتيجة تأخر التشريع ، أو إختلاف تفسير النصوص أو تعقيد الإجراءات الإدارية.
و من خلال الأحكام و القرارات القضائية.. تمكن القضاء من توفير حلول قانونية ، أسهمت في إستقرار المعاملات و حماية الحقوق ، بما عزز الثقة بمؤسسات الدولة .
و قد برز هذا الدور بوضوح من خلال العمل على توحيد الإجتهادات القضائية ، إذ أسهمت المحاكم العراقية ، في ترسيخ مبادئ قانونية مستقرة حدّت من تضارب الأحكام ، الأمر الذي وفر قدراً أكبر من اليقين القانوني ، للأفراد و الجهات الحكومية على حد سواء .
و لم يقتصر الأمر على ذلك..بل تعداه من خلال قيامه بعملية الرقابة على مشروعية القرارات الإدارية ، بما يحقق التوازن بين حماية المصلحة العامة و صيانة الحقوق الفردية ، و هو ما يعكس التطبيق العملي لمبدأ سيادة القانون .
و إذا كان القضاء قام بما قام به في مجال الأحكام القضائية و الرقابة على عمل الإدارة ، في ضوء متبنياته القانونية .
نراه بذات الوقت يقوم بعمل جبار على الصعيد الأمني ، فقد كان للقضاء العراقي دور مؤثر في دعم جهود الدولة الرامية ، إلى فرض الأمن و مكافحة الجريمة و الإرهاب و الفساد ، و ذلك من خلال سرعة حسم القضايا ، و ضمان المحاكمات العادلة وفقاً للقانون ، و ملاحقة الجرائم التي تمس أمن المجتمع و إستقراره..!!
وقد أسهمت هذه الجهود في تعزيز هيبة الدولة ، و ترسيخ الثقة بأن القانون هو المرجع الأساس لحماية المجتمع ، الأمر الذي يمثل عنصراً جوهرياً في تحقيق الأمن المستدام .
كما أدى القضاء دوراً مهماً في مكافحة الفساد ، من خلال نظر الدعاوى الجزائية المتعلقة بالإعتداء على المال العام ، و إتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتهمين ، وفق الضمانات التي يكفلها القانون ، و هو ما يدعم مبادئ النزاهة و الشفافية و يعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة .
ولعل ممارسة القضاء لدوره الهام في مكافحة الفساد ، و محاكمة كبار الفاسدين أعاد للفرد العراقي الكثير من الثقة بمؤسسات الدولة و قدرتها على ضبط الأمور بالإتجاه الصحيح .
و إلستكمالاً لدوره الكبير في الداخل..فقد كان للقضاء العراقي دوراً محورياً إمتدت إنعكاساته إلى المجال الدولي .
فإستقلال القضاء و فعاليته يعدان من أهم المؤشرات ، التي تعتمدها الدول و المؤسسات الدولية في تقييم البيئة القانونية و الإستثمارية للدول .
و كلما إزدادت قدرة القضاء على إنفاذ القانون ، و حماية العقود وضمان الحقوق ، أرتفعت مستويات الثقة الدولية بالدولة و مؤسساتها .
ومن هذا المنطلق..فإن الأداء القضائي خلال الأشهر الأخيرة ، أسهم بصورة غير مباشرة في تعزيز صورة العراق بوصفه دولة تسعى إلى ترسيخ سيادة القانون و إحترام الإلتزامات القانونية ، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على علاقاته مع المجتمع الدولي ، و يهيئ بيئة أكثر إستقراراً للتعاون الإقتصادي و الإستثماري و القضائي .
و من الناحية الدستورية ، فإن نجاح القضاء في أداء رسالته لا يعني حلول السلطة القضائية محل السلطتين التشريعية والتنفيذية ، وإنما يعكس قيام كل سلطة بدورها ضمن مبدأ الفصل بين السلطات مع التعاون بينها لتحقيق المصلحة العامة .
فالقضاء يفسر القانون و يطبقه ، و يعالج ما يثور بشأنه من منازعات ، و يضمن إحترام الدستور ، بينما يبقى سن التشريعات من إختصاص السلطة التشريعية ، و تنفيذها من إختصاص السلطة التنفيذية .
إن ممارسة القضاء لهذه التجربة..تؤكد بشكل لا يقبل اللبس انه صمام أمان للدولة في أوقات الأزمات ، و أن إستقلاله و حياده يمثلان الضمانة الأساسية لحماية الحقوق و الحريات ، و ترسيخ الأمن و الإستقرار ، و تعزيز الثقة الداخلية و الخارجية بمؤسسات الدولة .
كما أن أستمرار تطوير المنظومة القضائية ، و دعم إستقلالها ، و تسريع الإجراءات ، و توظيف التقنيات الحديثة في العمل القضائي ، من شأنه أن يعزز مكانة العراق القانونية و يكرس مبادئ العدالة و سيادة القانون ، بما يخدم المواطن و الدولة على حد سواء .