🛑فرجال... news
د.ثائرة اكرم العكيدي/كاتبة وباحثة
يشكل التصريح المنسوب لرئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، والذي ينص ببساطة فجة على أن تطبيق مكافحة الفساد على الجميع يعني انهيار العملية السياسية وثيقة إدانة تاريخية وسقوطاً مدوياً لخطاب الإصلاح المزعوم الذي طالما تغنت به النخبة الحاكمة.
إن هذا التصريح لا يمثل مجرد هفوة عابرة بل هو اعتراف صارخ ومفضوح بأن ما يُسمى بـالعملية السياسية ليست نظماً ديمقراطياً أو مؤسسات دولة ترعى مصالح الشعب بل هي منظومة محاصصة تقوم على تقاسم الغنائم ونهب مقدرات الوطن. وحين تصبح حماية الفساد هي الضمان الوحيد لبقاء النظام فإن هذا النظام يكون قد فقد كل مشروعية أخلاقية وقانونية ووجودية لاستمراره. وإن التذرع بأن محاسبة الفاسدين وتطبيق القانون بعدالة ستؤدي إلى انهيار أركان الحكم هو في حقيقته تهديد مباشر ومبطن للشعب.. إما أن تقبلوا بالنهب المنظم والسرقة العلنية وإما أن ندمر الهيكل فوق رؤوسكم. هذا الخطاب يعكس عقيدة سياسية فاسدة قامت على أن الفساد ليس عرضاً جانبياً بل هو العمود الفقري الذي يمسك تماسك الأحزاب والكتل المتنفذة التي عجزت عن بناء دولة مؤسسات حقيقية واكتفت ببناء شبكة مصالح هشة لا تقتات إلا على دماء وعرق المواطنين.
فبدلاً من أن يكون القانون سيداً والعدالة هي الأساس تتحول الدولة إلى رهينة بيد لصوص يلوحون بخرابها كلما اقتربت يد المحاسبة من عروشهم الكرتونية. وإن الانتقاد الصارم لمثل هذه المقولات ينطلق من حقيقة ساطعة مفادها أن استثناء المفسدين من العقاب تحت غطاء الاستقرار السياسي المزعوم هو جريمة بحق العدالة فالعملية السياسية التي تخشى القانون وترتعد فزعاً من النزاهة هي عملية آيلة للسقوط بطبيعتها ولا يمكن لأي عاقل أو منصف أن يتباكى على انهيار منظومة قامت على إذلال الشعب وسرقة مقدراته.
إن محاولة تصوير الفاسدين وكأنهم صمامات أمان للاستقرار هي إهانة بالغة لوعي المواطنين وتكريس لثقافة الإفلات من العقاب التي دمرت البنى التحتية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد. وإن من يتفوه بمثل هذه التعليقات سواء كان حيدر العبادي أو غيره ممن تعاقبوا على إدارة المشهد إنما يدينون أنفسهم ونظامهم السياسي بأكمله فالشعوب الحية لا ترهبها تهديدات المفسدين بانهيار عروشهم الباطلة بل إن انهيار هذه المنظومة العفنة هو البداية الحتمية والوحيدة لأي بناء حقيقي لدولة المواطنة والقانون.
إن العراق لا يمكن أن يستقيم حاله ويستعيد عافيته طالما بقيت معادلة الحكم محكومة بابتزاز الفاسدين وخوف الدولة من تطبيق عدالتها وحين يصبح انهيار الفساد مرادفاً لانهيار النظام، فإن السقوط المدوي لهذا النظام يصبح مطلباً وطنياً مقدساً لا رجعة فيه...