🛑فرجال... news
بقلم -ثائرة اكرم العكيدي
بعيدا عن السياسة والخلافات هناك لحظات لا تحتاج إلى خطابات طويلة كي تكشف حقيقة العلاقات بين الدول يكفي أن تضيق الطرق، وتتعثر المصالح ويصبح اقتصاد شعب بأكمله معلقا على منفذ واحد عندها فقط تظهر قيمة الجوار الحقيقي ويظهر الفرق بين من يفتح لك ممرا في العاصفة، ومن يغلق في وجهك الطريق. في مقابلة حديثة مع نيويورك تايمز، تحدث رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عن الخسائر التي تكبدها العراق جراء اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وقال إن خسائر العراق بلغت نحو 60 مليار دولار منذ اندلاع الصراع، وإن إيران لم تسمح، بحسب روايته، لناقلات النفط العراقية بالمرور عبر المضيق رغم المحادثات التي أجرتها بغداد مع طهران.
وهذه تصريحات سياسية واقتصادية بالغة الأهمية لأنها تضع سؤال مصلحة العراق في قلب المشهد بعيداً عن لغة الشعارات والتحالفات. فالعراق الدولة التي تعتمد إيراداتها العامة بدرجة كبيرة على النفط لا يستطيع أن يتعامل مع تصدير موارده بوصفه تفصيلاً ثانوياً كل يوم تتعطل فيه منافذ التصدير يعني ضغطا إضافيا على الموازنة، وعلى الدولة وعلى الخدمات، وعلى حياة المواطن العراقي. لكن المفارقة الأكثر دلالة جاءت من جهة أخرى.
حين اختنقت طرق التصدير البحرية اتجه العراق إلى سوريا لم تكن المسألة مجرد شاحنات تعبر الحدود ولا مجرد بضعة أطنان من الوقود تنتقل من بلد الى آخر فقد بدأت شحنات زيت الوقود العراقي بالعبور برا عبر الأراضي السورية إلى ميناء بانياس ومن هناك يجري تحميلها على ناقلات بحرية وإرسالها الى الأسواق الخارجية وتظهر بيانات وتقارير قطاع الطاقة أن هذا المسار توسع بصورة كبيرة خلال الأشهر الماضية حتى بلغ عدد الشاحنات المشاركة فيه مئات الشاحنات يوميا. والأهم أن القضية لم تكن قضية تصريف نفط فحسب وهنا تكمن الزاوية التي قد لا يلتفت إليها كثيرون.
فالمصافي العراقية لا تنتج البنزين والديزل فقط بل ينتج معها زيت الوقود وعندما يتعذر تصريف هذا المنتج وتتراكم الكميات في الخزانات، تصبح المشكلة أكبر من خسارة عائدات التصدير لأن امتلاء الخزانات قد يجبر المصافي على خفض معدلات التشغيل الأمر الذي يمكن أن ينعكس بدوره على إنتاج المشتقات الأخرى التي يحتاجها السوق العراقي وهذا تحديدا ما جعل الطريق السوري ذا أهمية تتجاوز قيمة الشحنات نفسها فقد ساعد استمرار تصدير زيت الوقود عبر سوريا العراق على تفادي امتلاء مخزوناته وبالتالي تجنب خفض تشغيل المصافي وما يمكن أن يترتب على ذلك من نقص في إنتاج البنزين والديزل هنا تصبح الجغرافيا اقتصادا، ويصبح الطريق قرارا استراتيجيا، ويصبح حسن الجوار فعلا لا شعارا سوريا لم تكن مجرد مساحة على الخريطة عبرتها الشاحنات العراقية لقد تحولت في واحدة من أكثر مراحل الاختناق النفطي تعقيدا إلى منفذ بديل يصل العراق بالبحر المتوسط والأسواق العالمية.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس من مع من؟ بل..من وقف مع مصلحة العراق عندما أصبحت مصلحته الاقتصادية مهددة. الدول لا تقاس علاقاتها فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة ولا بكثرة التصريحات عن الصداقة والتحالف وإنما بما تفعله عندما تقع الأزمات ففي السياسة قد تتغير المصالح وقد تتبدل التحالفات وقد تتبدل الحكومات لكن مصلحة الشعوب ينبغي أن تبقى فوق الحسابات الآنية.
والدرس الأهم الذي ينبغي أن يصل إلى بغداد هو أن الاعتماد على منفذ واحد، مهما بدا آمنا في زمن الاستقرار، يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف في زمن الأزمات ولهذا فإن الطريق السوري لا ينبغي أن ينظر إليه بوصفه حلا مؤقتا وحسب بل باعتباره واحدا من الدروس التي تفرض على العراق إعادة التفكير في أمنه الاقتصادي وتنويع منافذ تصديره وعدم وضع ثروته كلها في طريق واحد أو جعل اقتصاده رهينة لممر واحد أو موقف طرف واحد وهذا هو التفكير الذي تحتاجه الدول التي تريد أن تبني اقتصاداً قوياً لا تضع ثروتك كلها في طريق واحد ولا تجعل اقتصادك رهينة لممر واحد، ولا تربط أمنك الاقتصادي بموقف طرف واحد أما الشعوب فهي أبقى من الحكومات العراق وسوريا ليسا مجرد دولتين متجاورتين بينهما تاريخ طويل وحدود وأنهار وطرق وعلاقات اجتماعية وثقافية عميقة.
وقد تختلف الأنظمة والسياسات والمواقف لكن ذلك لا ينبغي أن يمحو حقيقة أن الشعبين العراقي والسوري جمعتهما الجغرافيا قبل السياسة وجمعهما التاريخ قبل الحكومات. وفي زمن تتغير فيه خرائط النفوذ بسرعة، ربما يكون أكثر ما تحتاجه المنطقة هو إعادة اكتشاف معنى الجوار بعيدا عن الاصطفافات.
أن تساعد جارك عندما تضيق به السبل وأن تفتح له طريقا عندما تغلق الطرق وأن تنظر إلى أزمته باعتبارها أزمة إنسانية واقتصادية قبل أن تكون فرصة سياسية تلك هي الأخوة التي تفهمها الشعوب حتى عندما تعجز السياسة عن التعبير عنها. أما العراق فعليه أن يتعلم من هذه الأزمة شيئا أكبر من مجرد البحث عن طريق بديل للنفط أن قوة الدولة تبدأ من قدرتها على حماية قرارها الاقتصادي وتنويع منافذها، وصون مواردها ووضع مصلحة شعبها فوق كل اعتبار فلا صداقة سياسية ينبغي أن تجعل اقتصاد دولة رهينة ولا خلاف سياسي ينبغي أن يمنع نجدة شعب لشعب.
وفي النهاية قد ترحل الحكومات وتتغير التحالفات وتتبدل خرائط النفوذ لكن العراق يبقى العراق وسوريا تبقى سوريا والشعبان سيبقيان أقرب من كل الحسابات العابرة حين تضيق الطرق وحده الموقف يبقى شاهدا..