🛑فرجال... news
د.ثائرة اكرم العكيدي/كاتبة وباحثة
حين تدخل الدول غرفة السياسة تخلع عن أكتافها عباءة العاطفة وتجلس أمام خرائطها وحدودها ومصالحها وأمنها القومي.
هناك لا تسأل الدولة أولا.. من يشبهني في المذهب؟ ولا من يشاركني العقيدة؟ بل تسأل سؤالا أكثر قسوة وواقعية.. أين مصلحتي؟ وأين يقف أمن بلادي؟.
ومن لا يفهم هذه القاعدة البسيطة في العلاقات الدولية سيبقى يقرأ السياسة بعين الطائفة بينما العالم من حوله يقرأها بعين المصالح.
لذلك لا تدخلوا الدين في كل قرار سياسي ولا تحاولوا تفسير مواقف الدول بمنظار مذهبي ضيق لأن السياسة الدولية أكثر تعقيدا من أن تختصر في شيعي وسني ومسلم ومسيحي والدليل ليس بعيدا بل في جوارنا الإقليمي.
إيران دولة ذات غالبية شيعية وأذربيجان دولة ذات غالبية شيعية أيضا في حين أن أرمينيا دولة ذات غالبية مسيحية ومع ذلك لم تجعل طهران العامل المذهبي هو البوصلة الوحيدة في تعاملها مع الصراع الأرمني الأذربيجاني بل بنت موقفها بدرجة كبيرة على حسابات الجغرافيا والحدود والأمن والمصالح الاستراتيجية.
قد يختلف البعض في توصيف حجم الدعم الإيراني لأرمينيا ولذلك لا يصح اختزال المسألة في عبارة (إيران دعمت أرمينيا ضد أذربيجان) وكأنها قصة اصطفاف عسكري مباشر بين دولة شيعية ودولة مسيحية الأدق أن نقول إن طهران حافظت على علاقات وثيقة مع أرمينيا ورفضت تغييرات جيوسياسية أو حدودية يمكن أن تمس مصالحها خصوصا ما يتعلق بمنطقة سيونيك والممرات التي قد تعيد رسم طرق الاتصال في جنوب القوقاز. وقد أكدت إيران مرارا رفضها لأي تغيير في الحدود القائمة باعتبار ذلك جزءا من أمنها القومي.
وهنا تسقط الحجة التي يحاول البعض استخدامها كلما اتخذ العراق موقفا لا ينسجم مع رغباتهم (كيف يفعل العراق ذلك وهو دولة ذات أغلبية شيعية؟)
والجواب بسيط.. لأن العراق دولة وليس مذهبا.
العراق حين يتخذ موقفا سياسيا لا يفترض أن يسأل عن المذهب أولا بل عن أثر القرار على أمنه واقتصاده وحدوده وعلاقاته ومصالح شعبه.
وإذا كان منطق المصالح مقبولا عندما تمارسه دول أخرى، فلا يجوز تحويله إلى تهمة عندما يمارسه العراق.
السياسة ليست منبرا للوعظ والعلاقات الدولية ليست مجلسا للمحبة المذهبية. قد تتفق دولتان في العقيدة وتختلفان في المصالح وقد تختلف دولتان في الدين وتتعاونان في الاقتصاد والأمن والطاقة والنقل هذه ليست ازدواجية بل هي طبيعة النظام الدولي.
بل إن المثال الإيراني نفسه يوضح ذلك بجلاء فطهران لا تنظر إلى جنوب القوقاز باعتباره ساحة صراع مذهبي بين مسيحيين وشيعة وإنما باعتباره منطقة تمس حدودها وأمنها وممراتها وموقعها الجغرافي ولذلك عارضت مشاريع ترى أنها قد تؤدي إلى تغيير جيوسياسي في المنطقة أو تقليص صلتها بأرمينيا والقوقاز. وفي عام 2025 صعدت إيران اعتراضها على مشروع الممر عبر جنوب أرمينيا معتبرة أن وجود ترتيبات خارجية قرب حدودها يمكن أن يمس أمنها القومي.
فإذا كانت إيران نفسها تنظر إلى المسألة من نافذة الأمن القومي والجغرافيا والمصلحة فلماذا نريد من العراق أن ينظر إليها من نافذة المذهب وحدها؟
لماذا نطلب من العراق أن يكون أكثر مثالية من الدول التي تتعامل معه وتحيط به؟
الدولة التي لا تعرف مصالحها لا تحمي سيادتها والدولة التي تجعل عاطفتها المذهبية فوق حساباتها الوطنية قد تجد نفسها ذات يوم تدفع ثمن قرار لم تصنعه هي وإنما صنعه الآخرون.
وليس المقصود هنا أن الدين لا قيمة له أو أن المذهب لا حضور له في المجتمعات وإنما المقصود الفصل بين الإيمان بوصفه شأنا دينيا والسياسة بوصفها إدارة لمصالح الدولة.
فالمذهب قد يجمع الشعوب لكنه لا يلغي الحدود والعقيدة قد تصنع التقارب لكنها لا تمحو الحسابات الاستراتيجية والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والأمن كلها عوامل تدخل في صناعة القرار السياسي وقد تتقدم في لحظة معينة على أي اعتبار آخر.
حتى الصراع بين أرمينيا وأذربيجان نفسه لا يمكن اختزاله في كونه صراعا بين المسيحية والتشيع جذور الصراع مرتبطة بالأرض والحدود وناغورنو كاراباخ والتحولات التي شهدتها المنطقة منذ الحقبة السوفيتية ثم حروب 2020 وتطورات 2023 وما أعقبها من مفاوضات حول الحدود والممرات والتطبيع.
وهنا علينا أن نخرج من تلك القراءة الساذجة التي ترى العالم بالأبيض والأسود.. هذا شيعي إذن هو حليفي وهذا مسيحي إذن هو خصمي وهذا سني إذن يجب أن أختلف معه.
الدول لا تعمل بهذه الطريقة الدولة قد تتقاطع مع دولة تختلف عنها في الدين لأنها تحتاج إليها في ملف اقتصادي وقد تختلف مع دولة تشاركها المذهب لأنها ترى في سياستها خطرا على أمنها أو مصالحها وهذا هو معنى السياسة.
لذلك عندما يرى العراق أن قرارا ما يحقق له مصلحة وطنية أو يحمي اقتصاده، أو يصون سيادته، أو ينسجم مع حساباته الإقليمية والدولية فلا ينبغي أن تتحول المناقشة إلى محاكمة مذهبية.. لماذا فعل العراق ذلك؟ ومن المستفيد؟ وهل يتعارض ذلك مع هذا المذهب أو ذاك؟
السؤال الصحيح يجب أن يكون.. هل يخدم القرار العراق؟هذه هي النقطة التي ينبغي أن نناقشها.
لا أن نبحث عن المذهب الذي يقف خلف القرار ولا عن الطائفة التي ينتمي إليها الطرف الآخر فالعراق ليس مطالبا بأن يعيش السياسة نيابة عن الآخرين ولا أن يدفع من أمنه واقتصاده وسيادته ثمن حسابات إقليمية ليست حساباته.
لقد دفعت البلاد ثمنا باهظا عندما اختلطت السياسة بالهويات وعندما أصبح كل خلاف سياسي قابلا للتحول إلى خلاف طائفي وما يحتاجه العراق اليوم هو أن يستعيد معنى الدولة الدولة التي تعرف أين تبدأ مصلحتها وأين تنتهي مصالح الآخرين.
إن الوطنية ليست أن توافق الآخرين لأنهم يشبهونك في المذهب وليست أن تختلف معهم لأنهم لا يشبهونك فيه. الوطنية أن تسأل أولا.. ما الذي يحمي بلدي؟ وما الذي يحفظ كرامة شعبي؟ وما الذي يحقق مصلحته؟
أما من يريد أن يحاسب العراق بمنطق الطائفة فعليه أولا أن يطبق منطقه على الدول التي يستشهد بها فإذا كانت الدولة التي يضرب بها المثال لا تتردد في تقديم أمنها وحدودها ومصالحها الاستراتيجية على الاعتبارات المذهبية فلماذا يصبح الأمر فجأة (جريمة) عندما يفكر العراق بالطريقة نفسها؟
إن السياسة ليست خيانة للدين كما أن مراعاة المصلحة الوطنية ليست خيانة للمذهب الدولة العاقلة لا تسأل عن هوية من يقف خلف الحدود قبل أن تسأل: ماذا تريد بلادي، وماذا يحميها وماذا يخدم مستقبلها؟
ولهذا قبل أن نلوم الحكومة العراقية على أي قرار فلنترك جانبا لغة الطوائف والمذاهب ولنفتح دفتر الحساب الحقيقي.. ماذا سيكسب العراق؟ ماذا سيخسر؟ وما الذي يحفظ سيادته ومصلحته الوطنية؟
هناك فقط تبدأ السياسة الحقيقية
وهناك فقط نعرف أن الدولة لا تُدار بالعاطفة ولا بالمذهب ولا بالشعارات بل بالعقل والمصلحة والسيادة...