🛑فرجال... news
بقلم _ محمد الجوراني/ البصرة
عندما يتحدث المواطن العراقي عن أزماته ، فهو لا يتحدث عن أزمة واحدة ، بل عن سلسلة أزمات مترابطة تشكل منظومة فشل إداري متكامل .. فما يعانيه المواطن في البصرة من ملوحة المياه ، يعانيه المواطن في بغداد من اختناق الخدمات ، وما يشكو منه أهل الموصل من بطء الإعمار ، يشكو منه أهل الناصرية من البطالة .. العراق اليوم بلد يمتلك كل مقومات النهوض ، ولكنه يفتقد إلى إدارة هذه المقومات .
إن أزمة الخدمات في العراق لم تعد أزمة موسمية ، بل أصبحت بنيوية .
في محافظات الجنوب و تحديداً البصرة ، تتجلى الأزمة بأوضح صورها .
تشير البيانات الرسمية في أيلول 2026 إلى أن نسبة ملوحة المياه وصلت إلى 6,300 جزء في المليون في كرمة علي ، وتجاوزت 17,000 جزء في المليون في الفاو والدير ، وهي نسب تجعلها غير صالحة للاستخدام البشري و الزراعي .
هذا الواقع دفع مفوضية حقوق الإنسان في 17 تموز 2026 للمطالبة بعقد جلسة حكومية طارئة و إصلاح قناة البدعة و محاسبة المتجاوزين على الحصة المائية وفي مقدمتهم الشركات النفطية .
و النتيجة المباشرة هي إنتشار الأمراض الجلدية و المعوية و أضطرار العائلات لشراء مياه التحلية بأسعار مرهقة .
وفي الوسط..بغداد بثقلها السكاني الذي يتجاوز 9 ملايين نسمة ، تعاني من تهالك شبكات الصرف الصحي وانقطاع الكهرباء رغم كونها مركز القرار .
محافظات الفرات الأوسط كالنجف و كربلاء و بابل ، ورغم قدسيتها و مواردها السياحية ، لا تزال بنيتها التحتية لا تتناسب مع أعداد الزوار .
وفي الغربية..الأنبار و صلاح الدين و ديالى ، و رغم مرور سنوات على إنتهاء الحرب ضد داعش ، لا يزال ملف النازحين و إعادة إعمار المدن المدمرة و القرى المهجورة يراوح مكانه .
وفي الشمال..إقليم كردستان يواجه أزمة رواتب مزمنة ، و خلافات مستمرة مع بغداد حول النفط و الموازنة .
القاسم المشترك لكل هذه المحافظات هو أن الإنفاق الحكومي ضخم ، لكن الأثر الملموس على حياة المواطن ضئيل ..!!
يعد الاقتصاد العراقي نموذجا صارخا للاقتصاد الريعي ، حيث يشكل النفط أكثر من 90% من الموازنة . هذا الارتباط المفرط يجعل الدولة رهينة لتقلبات الأسعار العالمية .
أما الأزمة الأكثر إلحاحاً اليوم فهي أزمة سعر الصرف . فبتاريخ 20 أيلول 2026 ، يستقر السعر الرسمي للبنك المركزي عند 132,000 دينار لكل 100 دولار ، بينما يسجل السوق الموازي في بغداد 160,250 دينار للبيع و159,250 للشراء ، وفي الناصرية 159,000 دينار .
هذه الفجوة التي تتجاوز 17% هي ليست مجرد رقم اقتصادي ، بل هي آلية لإعادة توزيع الثروة بشكل عكسي . فئة محدودة من المصارف والتجار المرتبطين بالمنظومة السياسية تحصل على الدولار بالسعر الرسمي عبر المنصة ، ثم تبيعه في السوق الموازي محققة أرباحاً طائلة دون جهد إنتاجي . في المقابل ، المواطن الذي يتقاضى راتبه بالدينار ، يدفع ثمن كل سلعة مستوردة - من الدواء إلى المواد الغذائية - بسعر السوق الموازي . فانخفضت القوة الشرائية بشكل حاد ، وارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل يفوق قدرة ذوي الدخل المحدود .
يتفق أغلب المراقبين الموضوعيين أن جوهر الأزمة العراقية هو أزمة إدارة .
فمنذ 2003 تأسس نظام المحاصصة كآلية لتقاسم السلطة ، لكنه تحول مع الوقت إلى آلية لتقاسم الدولة . فالمنصب الإداري ، من مدير عام إلى قائممقام قضاء كالزبير وسفوان في البصرة أو القائم في الأنبار أو الخالص في ديالى ، لم يعد يخضع لمعيار الكفاءة ، بل لمعيار الولاء الحزبي .
هذا الواقع خلق تعددا في مراكز القرار داخل المؤسسة الواحدة ، وضعفا في فرض القانون . كما أن وجود سلاح خارج إطار المؤسسة العسكرية الرسمية يمثل تحديا لمبدأ احتكار الدولة للعنف المشروع ، وهو مبدأ أساسي لبناء أي دولة مستقرة قادرة على جذب الاستثمار وتطبيق القانون على الجميع .
إن تشخيص الأزمة هو نصف الحل .. العراق لا يحتاج إلى معجزة ، بل يحتاج إلى مسار إصلاحي واضح المعالم .
أولاً : إصلاح إداري حقيقي عبر تفعيل قانون الخدمة المدنية و فصل الإدارة عن الإنتماء الحزبي ، و إعتماد الكفاءة معياراً وحيداً للتعيين .
ثانيا : إصلاح اقتصادي يبدأ بتنويع مصادر الدخل ، و تفعيل قطاعات الزراعة و الصناعة و الموانئ ، و إنهاء الفجوة بين السعر الرسمي و الموازي للدولار عبر إصلاح النظام المصرفي .
ثالثاً : إصلاح أمني و خدمي يرتكز على حصر السلاح بيد الدولة ، وإطلاق مشاريع إستراتيجية كبرى لا ترقيعية ، مثل مشروع تحلية مياه البحر للبصرة ، ومشروع ميناء الفاو الكبير ، وشبكات كهرباء حديثة .
البصرة التي تمنح العراق شريان حياته النفطي ، و بغداد التي تمنحه هويته ، و الموصل التي تمنحه تاريخه ، كلها تستحق إدارة تليق بثرواتها و تضحيات أهلها .
فالسؤال لم يعد هل يملك العراق الموارد ، بل هل يملك الإرادة لإدارتها بشكل صحيح ..؟؟