🛑فرجال...news
أ.د. أحمد سامي المعموري
غير أن الربط بين التنمية والأمن يحتاج أيضاً إلى شروط موضوعية. فالتنمية ينبغي أن تكون جزءاً من منظومة أوسع تشمل الإصلاح المؤسسي، والاستقرار السياسي، وحماية الاستثمارات، وتطوير التعليم، وتوفير فرص العمل، وتعزيز التجارة الإقليمية.
ومن هذه الزاوية، فإن المبادرة الصينية تصبح أكثر قابلية للترجمة العملية عندما تنتقل من مفهوم «التنمية» العام إلى مشروعات إقليمية مترابطة في الطاقة والنقل والموانئ والمياه والصناعة والتكنولوجيا.
المبادرة الرابعة: القانون الدولي ودور الأمم المتحدة
أما المبادرة الرابعة فتتمثل في تعزيز التنسيق الدولي للأمن الإقليمي، مع التأكيد على ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي ودور المنظمة الدولية في معالجة قضايا المنطقة وهذا البعد مهم؛ لأنه يمنح المبادرة إطاراً مؤسسياً دولياً ويخفف من احتمال تقديمها باعتبارها مشروع تحالف صيني جديد في مواجهة تحالف غربي قائم ويمكن قراءة هذا المبدأ باعتباره محاولة لتوسيع مساحة العمل متعدد الأطراف، بحيث لا تكون ترتيبات الشرق الأوسط محكومة حصراً بتوازنات القوة بين الدول الكبرى.
لكن نجاح هذا المبدأ يتوقف على مدى قدرة الأطراف الدولية على الاتفاق على تفسير عملي لمبادئ القانون الدولي، ولا سيما في القضايا التي تتباين فيها المواقف السياسية. ولذلك فإن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الأطراف على ترجمة هذه المبادئ إلى قرارات وآليات تفاوض ومؤسسات
ومن المهم طرح تساؤل هو هل المبادرات الصينية مشروع لمواجهة الولايات المتحدة؟
من الممكن قراءة المبادرات الصينية في إطار المنافسة الاستراتيجية بين بكين وواشنطن، اذ تسعى الصين إلى توسيع نفوذها السياسي في الشرق الأوسط بالتوازي مع نفوذها الاقتصادي. وقد وصفت تقارير صحفية الزيارة إلى مصر بأنها جزء من مسعى صيني أوسع لتعزيز حضورها في المنطقة لكن اختزال المبادرات الأربع في كونها مجرد «مشروع صيني لمواجهة المشروع الأمريكي» قد يكون تبسيطاً للمشهد فالصين نفسها ترتبط اقتصادياً بمصالح واسعة مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج وآسيا، كما أن استقرار الشرق الأوسط وممراته البحرية وأسواق الطاقة يمثل مصلحة اقتصادية صينية مباشرة، وليس فقط أداة في صراع النفوذ والأدق أن المبادرة يمكن فهمها بوصفها محاولة صينية لتوسيع حضورها السياسي والدبلوماسي في منطقة ذات أهمية استراتيجية، وفي الوقت نفسه الدفع باتجاه نظام إقليمي أكثر تعدداً في مراكز التأثير.
وهذا لا يعني بالضرورة أن النموذج الصيني سيحل محل النموذج الأمريكي، ولا أن دول المنطقة مطالبة بالاختيار بين بكين وواشنطن. بل قد يكون السيناريو الأكثر واقعية هو استمرار التنافس والتعاون معاً، مع سعي الدول الإقليمية إلى تنويع شراكاتها وتقليل اعتمادها على طرف واحد.
العراق: أين تكمن المصلحة العراقية؟
تكتسب المبادرات الصينية أهمية خاصة بالنسبة للعراق؛ ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، وإنما بسبب طبيعة علاقاته المتنامية مع الصين. فالعراق يقع في نقطة جغرافية تربط الخليج بإيران وتركيا واوربا، ويمتلك موارد نفطية كبيرة، ويحتاج في الوقت ذاته إلى تطوير شبكات النقل والكهرباء والطاقة والمياه والبنية التحتية والصناعة وتؤكد البيانات الصينية الرسمية المحدثة في تموز/يوليو 2026 أن الصين أصبحت أكبر شريك تجاري للعراق، وأن التجارة الثنائية بلغت 51.17 مليار دولار في عام 2025، كما أن العراق كان ثالث أكبر مصدر للنفط الخام إلى الصين.
وهذه المعطيات تجعل العراق معنياً بصورة مباشرة بأي تحول في البيئة الأمنية والاقتصادية للشرق الأوسط فإذا تحولت فكرة «الأمن من خلال التنمية» إلى مشروعات إقليمية حقيقية، يستطيع العراق أن يكون جزءاً من هذه المنظومة عبر مشروعات النقل والربط الكهربائي والطاقة والموانئ والطرق والمناطق الصناعية كما يمكن للعراق أن يستفيد من موقعه في مشاريع الربط بين الخليج وتركيا واوربا وأن يتحول من دولة تتأثر بأزمات المنطقة إلى دولة تسهم في بناء شبكات المصالح الاقتصادية التي تساعد على تخفيفها.
وعليه من أهم النتائج التي يمكن أن تستخلصها بغداد من هذه المبادرات أن مصالحها لا تفرض عليها بالضرورة الانضمام إلى محور دولي في مواجهة محور آخر فالعراق يمتلك علاقات مع الولايات المتحدة، ومع دول الجوار، وعلاقة اقتصادية متنامية مع الصين، فضلاً عن علاقاته الاقليمية والدولية الاخرى ومن ثم فإن السياسة الأكثر ارتباطاً بالمصلحة العراقية هي التي تقوم على تنويع الشراكات وليس استبدال تبعية بتبعية أخرى وبهذا المعنى يمكن للعراق أن يتعامل مع الصين بوصفها شريكاً أساسياً في التنمية والاستثمار والتكنولوجيا والبنية التحتية، مع استمرار علاقاته مع الولايات المتحدة وشركائه الأوروبيين والعرب وغيرهم في مجالات الأمن والتكنولوجيا والأسواق والتعليم والاستثمار ولا ينبغي النظر إلى هذا التنوع باعتباره تناقضاً في السياسة الخارجية، بل يمكن أن يمثل أحد عناصر القوة التفاوضية للعراق إذا استطاع إدارة علاقاته على أساس المصالح الوطنية والقواعد المؤسسية ، ذلك إن مستقبل الشرق الأوسط لن تحدده قوة دولة واحدة، بل قدرة دول المنطقة على بناء شبكة من المصالح المشتركة والمؤسسات الإقليمية التي تجعل السلام والاستقرار والتنمية مصالح متبادلة، وتمنح دول المنطقة مساحة أوسع في تحديد مستقبلها وموقعها داخل النظام الدولي المتغي