🛑فرجال... news
بقلم: المستشار الدكتور ثامر الناصري
ليس التفوّق السياسي دائمًا مرادفًا لامتلاك السلطة، ولا هو بالضرورة انعكاس لحجم الدولة أو اتساع النفوذ أو القدرة على فرض القرارات. فالتاريخ السياسي يعلّمنا أن هناك فرقًا جوهريًا بين من يمتلك أدوات القوة، ومن يمتلك القدرة على قراءة هذه الأدوات وتحليل اتجاهاتها ومخاطبة أصحابها من موقع الوعي السياسي.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة مواقف السياسي العراقي المحترم والمحنك، عزّت الشابندر تجاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوصفها نموذجًا للمواجهة السياسية القائمة على تحليل الخطاب وكشف تناقضاته، لا على منافسة القوة بالقوة.
لقد أظهر الشابندر في عدد من مواقفه اهتمامًا واضحًا بتفكيك الخطاب الأمريكي المتعلق بالعراق، وبخاصة ما يتصل بالسيادة الوطنية وحدود التدخل الخارجي. ففي رسالة مفتوحة وجّهها إلى المبعوث الأمريكي مارك سافايا في تشرين الثاني 2025، دعا إلى بناء شراكة اقتصادية حقيقية بين العراق والولايات المتحدة، بعيدًا عن التدخل في القرار العراقي أو التعامل مع العراق بمنطق الوصاية. 
وهنا تكمن نقطة تستحق التأمل: فالعلاقة بين الدول لا تُقاس فقط بما يمتلكه طرف من أدوات ضغط، بل أيضًا بما يمتلكه الطرف الآخر من وضوح في تحديد مصالحه، وقدرة على التعبير عن استقلال قراره، ووعي بتوازنات المصالح المتبادلة.
وفي موقف آخر، تناول الشابندر تصريحات ترامب وتوجهاته الدولية بلغة نقدية ساخرة، مستحضرًا التناقض بين وعود الاستقرار والسلام وبين التهديدات المتعلقة بالتجارة والأقاليم والسيادة الدولية. وقد عكست تلك المقاربة محاولة لقراءة الخطاب السياسي الأمريكي من خلال التناقض بين الإعلان والممارسة. 
لكن المسألة لا تتوقف عند السخرية السياسية؛ فالسخرية حين تصدر عن عقل سياسي واعٍ ينبغي أن تكون أداة تحليل، لا مجرد وسيلة للانتقاص. وقيمتها الحقيقية تظهر عندما تكشف خللًا في الخطاب، أو تضع المتلقي أمام سؤال لم يكن حاضرًا في ظاهر التصريح.
إن التفوق الذي يمكن الحديث عنه هنا هو تفوق في بعض أدوات الاشتباك السياسي والخطابي، وليس تفوقًا شاملًا في القوة أو النفوذ أو التأثير الدولي. فترامب يتحدث من موقع رئاسة الولايات المتحدة وما تملكه من أدوات اقتصادية وعسكرية ودبلوماسية، بينما يتحدث الشابندر من موقع سياسي عراقي لا تتوافر له الأدوات ذاتها. ولذلك فإن المقارنة المنصفة لا تضع الرجلين في ميزان واحد من حيث السلطة، بل تنظر إلى طبيعة الخطاب، ووضوح الموقف، والقدرة على مساءلة القوة.
والسياسي الذي يحترم وطنه لا يحتاج إلى رفع صوته كي يثبت استقلال موقفه؛ بل يحتاج إلى معرفة ما يريد، وإدراك ما يستطيع، وتحديد ما لا يجوز التفريط به. فالسيادة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما مفهوم يتجسد في المواقف والقرارات وطبيعة العلاقات التي تقيمها الدولة مع العالم.
ومن هنا، فإن قيمة موقف الشابندر لا تكمن في أنه دخل في سجال مع رئيس أمريكي فحسب، بل في أنه أعاد طرح سؤال جوهري: هل تقوم العلاقة بين العراق والولايات المتحدة على المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ، أم على معادلة الضغط والإملاء؟
وهذا السؤال أكبر من شخصين، وأوسع من سجال إعلامي؛ إنه سؤال يتعلق بمكانة العراق في النظام الدولي، وبكيفية انتقاله من موقع التأثر بإرادات الآخرين إلى موقع الشريك الذي يعرف مصالحه ويدافع عنها.
فالسياسة ليست أن تكون الأقوى دائمًا، بل أن تعرف كيف تحمي موقفك حين لا تكون الأقوى. وليست البطولة السياسية أن تنتصر في سجال عابر، بل أن تحافظ على كرامة الدولة ومصالح شعبها وسط تعقيدات المصالح الدولية.
ولعل أجمل ما يمكن أن نخلص إليه أن قوة السياسي لا تُقاس بقدرته على إحراج خصمه فحسب، بل بقدرته على تقديم رؤية وطنية قابلة للحياة، وتحويل الموقف من عبارة مؤثرة إلى مشروع سياسي واضح.
أما التفوق الحقيقي، فلا تمنحه العبارات وحدها، ولا تحسمه المقارنات الانطباعية؛ إنما تثبته المواقف المتراكمة والنتائج التي تخدم الوطن.
فإذا كان ترامب يمتلك سلطة القوة، فإن الشابندر يحاول أن يواجهها بقوة القراءة والموقف والخطاب. وبين القوتين مساحة واسعة، فيها يُختبر ذكاء السياسي، وتُقاس قيمة الكلمة، ويظهر الفرق بين من يملك النفوذ ومن يعرف كيف يناقشه.