🛑فرجال... news
بقلم الكاتب
ا. حسن الفلاحي
لم يكن ظهور الغرفة الزجاجية في ساحة التحرير حدثًا عابرًا أو مبادرة عفوية كما رُوّج لها، بل جاء بطريقة مدروسة من حيث المكان والتوقيت والظهور الإعلامي. إن اختيار هذا الموقع تحديدًا – أحد أكثر الرموز تأثيرًا في ذاكرة الاحتجاج والوعي العراقي – يوحي بأن الهدف لم يكن مجرد جمع تبرعات أو دعم الحالات الإنسانية، بل صناعة مشهد جماهيري عالي التأثير، يُمهد لإطلاق موجة جديدة من التأثير الاجتماعي والنفسي، شبيهة بما جرى سابقًا في ظاهرة ‘‘تشريني‘‘ التي بدأت بسيطة ثم تحولت إلى حالة جدلية واسعة.
التوقيت الذي ظهرت فيه المبادرة، قبيل تشكيل الحكومة، يفتح باب التساؤل حول ما إذا كانت تستهدف توجيه الرأي العام أو خلق حالة شعورية قبل مرحلة سياسية حساسة. كما أن طبيعة المشاركين، الذين ينتمون في غالبيتهم إلى محتوى غير ناضج أو من صنّاع الجدل والترفيه السطحي، يعزز الشكوك بأن الهدف الحقيقي تجاوز العمل الإنساني ليصل إلى صناعة حدث تتداخل فيه الأبعاد الإعلامية والنفسية وربما السياسية. وزاد من هذه الشكوك ما تردد عن مستوى الحماية والمراقبة التي تحيط بالغرفة، والتي يُقال إنها مدعومة بمراقبة عالية التقنية، الأمر الذي لا يتناسب مع مبادرة خيرية بسيطة، بقدر ما ينسجم مع نشاط مُعدّ لمتابعة سلوكية وتفاعلية عن قرب.
المخاوف اليوم لا تتعلق بالمشروع بحد ذاته، بل بما قد يمهّد له؛ إذ يُتوقع أن تُعمم الفكرة لاحقًا بصيغ أكثر جرأة، مثل صالات عامة أو فضاءات استراحة تحت عنوان ‘‘التواصل المجتمعي"، في حين تُستخدم فعليًا لتوجيه المزاج العام واستثمار التعاطف الشعبي. وهنا تكمن خطورة أن تتحول المشاعر الإنسانية إلى أداة توجيه، وأن تُستبدَل قيمة العمل الخيري الصامت بمسرح استعراضي مفتوح.
ولذلك، بات من الضروري والملحّ أن تتدخل الجهات الوطنية الرسمية، الحكومية والأمنية والإعلامية، للإشراف المباشر على هذا النشاط، ومراقبة مصادر التمويل، وطبيعة الأهداف، ومسار هذه الأموال التي تجمع ستذهب إلى أين والى هدف يمكن أن تتخذه الغرفة الزجاجية مستقبلاً. فالمسألة تتطلب متابعة دقيقة وحضورًا ميدانيًا حقيقيًا، قبل أن تتحول إلى كرة ثلج تتوسع وتتشعب وتصبح من الصعب السيطرة عليها، خصوصًا إذا اُستثمرت من جهات خارجية تمتلك مهارة صناعة التأثير عبر أدوات غير تقليدية.
على الدولة اليوم أن تمسك بزمام المبادرة، وتحوّل أي نشاط مجتمعي إلى فرصة بناء، لا إلى ثغرة يُعاد من خلالها تشكيل المشهد الشعبي أو استغلاله. فالعراق بحاجة إلى مشاريع تُبنى على الصدق والمسؤولية والتوازن، لا على الضوء والإثارة والاستغلال العاطفي.
إن العمل الخيري لا يقاس بعدد المشاهدات، بل بصدق النوايا… وما يُزرع بإخلاص في أرض العراق لا يُعرض من خلف زجاج صنع خارج حدوده.