🛑فرجال... news
في رحاب الفكر الإنساني، تتقاطع المسارات حين يكون الهدف تحرير الإنسان من أعبائه؛ أعباء الروح والظلم والبحث الطويل عن المعنى. هكذا، تبدو رسالة النبي محمد ﷺ ومشروع بوذا الإصلاحي وهما يطلان من نافذتين مختلفتين على جوهر واحد: الإنسان.
محمد ﷺ حمل رسالة توحيدية تبني علاقة الإنسان بربه وتعيد توزيع العدالة بين البشر، بينما سعى بوذا، من ضفة أخرى، إلى تهذيب الروح من داخلها، مُركّزًا على التحرّر من التعلق والألم. الأول وجّه الطاقات نحو التغيير الاجتماعي والسمو الروحي معًا، والثاني وجّهها نحو التطهير الداخلي بوصفه الطريق للسلام.
النبي محمد ﷺ جعل من الرحمة محور الرسالة: «وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين»، في حين اعتبر بوذا أن المعاناة محور الوجود، وأن التحرر منها طريق النور. كلاهما نظر إلى الإنسان ككائن قادر على النهوض، لكن محمد دعا إلى إصلاح الحياة لكي ينهض الإنسان، بينما بوذا دعا إلى إصلاح الذات ليفهم الإنسان الحياة.
● وفي هذا السياق، دعا بوذا إلى التأمل العميق بوصفه أداة إدراك الحقيقة، إذ اعتبر أن الصمت الداخلي والوعي المراقب يفتحان أبواب الفهم، وأن الإنسان حين يتأمل الألم دون مقاومة، يُدرك جوهره ويتجاوزه. كان التأمل عنده منهجًا فكريًا قبل أن يكون ممارسة روحية، طريقًا يكشف زيف التعلق، ويُمهّد لتحرر الوعي من أغلاله. ●
لم يكن طريق النور عند بوذا سوى رحلة داخل الذات، أما في الإسلام، فالنور يبدأ من الإيمان ويتجه خارج النفس ليصنع عالماً أفضل. وفي حين رأى بوذا أن الرغبة أصل الألم، حدّد الإسلام العدل والجشع والجهل أصل الفساد، داعيًا إلى توازن الرغبة لا إلغائها.
على الرغم من اختلاف الخلفية العقدية والمنهج، يلتقيان في مقولة ضمنية:
أن الإنسان لا يولد كاملاً، بل يصير.
يصير بالإيمان، أو بالوعي… لكنه في الحالتين لا يُترك لقدر الصدفة.
لهذا، يبدو أن بوذا كان يبحث عن سلام داخلي يجعل الإنسان لا يتألّم، بينما كان محمد يزرع في الإنسان سلامًا يجعله لا يُؤلِم.
وفي نهاية التأمل، يتضح أن بوذا أراد أن ينجو الإنسان بنفسه، بينما جاء محمد ليعلّم الإنسان كيف ينجو بالناس أيضًا، فكانت الرسالة دائرة تبدأ من الذات وتنتهي بالمجتمع.