ايحاءات قرانية : 265
( وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجعَل لَّهُ مَخرَجٗا ،
وَيَرزُقهُ مِن حَيثُ لَا يَحتَسِبُ )
الطلاق : 2-3
هذا الجزء من الاية الثانية والثالثة ورد في سياق الطلاق والحديث عن من يطلّق ، ويبحث عن مخرج لتراجعه ، فان الله يجد له مخرجا لذلك التراجع بما شرع له ، وليس من هدفنا الحديث عن تفاصيل هذا الموضوع .
والتقوى في الاية على عموم لفظها ، وليست خاصة بالطلاق . ومن معانيها الخشية من الله والحماية والصيانة واتقاء محارم الله اي ان الانسان يجعل بينه وبين غضب الله حاجزا .
ومن يتق الله في كل مقام او موضوع يسهل امره ويساعده على اداء أوامر الله واجتناب معاصيه ، ومن لا يتق الله يجعل حياته في شدة وضيق . وهذا المعنى تؤكده الايات القرانية الكثيرة والأحاديث النبوية الشريفة .
والقضية التي نريد ان نقف عندها هي العلاقة بين التقوى
والابتلاء ، والتساؤل هنا هو :
إذا كان الله سبحانه يجد لمن يتقيه مخرجا من كل كرب وضيق وشدة فكيف يبتليه بشتى الابتلاءات وباعظمها ، بل ان الانسان كلما كانت تقواه اعمق كانت ابتلاءاته ومحنه اقوى . وقد يكون بعض الابتلاءات ما لا مخرج منه في الحياة الدنيا ؟
نعم ، قد يكون الابتلاء عظيما ،
فقد يبتلى المتقي بتعذيب الحاكم الظالم او يبتلى بجار او زوجة او فقر او مرض ….
ولكن مخرج الله سبحانه هو في ان يرزقه من حيث لا يحتسب ، فقد يعوضه في مجال آخر يكون عزاء له عن ذلك الابتلاء ، بما في الرزق من معاني واسعة لا تقتصر على الرزق المادي .
ولعل من اعظم المخارج التي يجدها المتقي وأوسع الأرزاق التي يهبها الله له هو رضاه في الدنيا ورحمته في الاخرة ، ولا يدرك معنى هذا المخرج وهذه الرحمة إلا من عرف قدرة الله وسعة رحمته ، فلقد قيل ان الشهيد يتمنى ان يعود إلى الدنيا مرة اخرى ، ويستشهد ثانية لينال ثواب الشهادة من عِظَم ما راى من النعيم الذي يلقاه في الاخرة .
وكذا سائر الابتلاءات فلكلٍ درجته
من الرضا الالهي ، ولكلٍ درجته من الرزق .( والله يرزق من يشاء بغير حساب ) رزق في الدنيا وأرزاق في الاخرة .
ولا بد من الاحتراز هنا بعدم إطلاق المخرج والرزق هنا إلا بما يكون عليه المتقي من صبر واحتساب ورضا وعمل بما يقتضيه الابتلاء وبحدود الطاقة والمقدور عليه ، والا فلن يكون مخرج ولا رزق ويحاسب حساب غير المتقين .