أغرب دين حين يُختزل في التخاذل.. بقلم عصام الصميدعي
🛑فرجال... news.
استاذ الفلسفة التجريدية.. عصام الصميدعي...
ليس أغربَ على الأديان أن تُساءَ قراءتها، لكن الغرابة كل الغرابة أن يتحوّل الدين – الذي أُنزل ليحرّر الإنسان ويقيم العدل – إلى أداةٍ للتبرير والانكسار. أن يقضي فقيهٌ عمره منكبًّا على كتب “الصحاح” وشروح ابن تيمية، وأقوال شيوخ السلفية، وروايات أبي هريرة، ثم يخرج منها بدينٍ يُشرعن التخاذل، ويبارك الانبطاح، ويجمّل التطبيع، فهنا لا نكون أمام اختلاف اجتهاد، بل أمام مأساة فكرية كاملة.
لقد ترسّخ، عبر عقود طويلة، خطابٌ دينيٌّ انتقائيٌّ جُرّد من روحه الرسالية، واختُزل في نصوصٍ أُخرجت من سياقها، ورواياتٍ رُفعت فوق النقد، حتى بات الدين في نظر أتباعه مبررًا للكذب، والنفاق، والتدليس، والافتراء، بل وللعمالة والفجور والإجرام، مع غلافٍ سميك من “الشرعنة” و”التكفير”.
هذا الخطاب لم يُنتج أمةً قوية ولا مجتمعًا واعيًا، بل ساهم – عن قصد أو عن جهل – في صناعة أمةٍ فاشلة، ممزقة، ضعيفة الإرادة، متخاصمة مع ذاتها، عاجزة عن الدفاع عن قضاياها، سهلة الانقياد أمام أعدائها. أمةٌ تُكفّر أبناءها، وتهادن خصومها، وتُحرّم المقاومة، وتُقدّس الصمت.
والأخطر من ذلك، أن هذا الانحراف الفكري جاء نتيجة إنكارٍ متعمّدٍ لركيزةٍ أساسية تركها رسول الله ﷺ ضمانةً لعدم الضلال، حين قال:
«ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي».
لكنهم أنكروا الولاية، وأنكروا المدد الإلهي، وقطعوا الصلة بين النصّ والقدوة، وبين القرآن ومن جعله الله ترجمانًا له في الواقع الإنساني والأخلاقي.
خلاصة القول إن أزمة الأمة اليوم ليست أزمة دين، بل أزمة فهمٍ للدين. وليست أزمة نصوص، بل أزمة قراءة وانتقاء وهوى. فالدين الذي يُنتج أمةً خانعة، مكسورة، مبرّرة للباطل، ليس هو الدين الذي جاء به محمد ﷺ، ولا هو الإسلام الذي صنع حضارةً، وأقام عدلًا، وربّى أحرارًا.
إن العودة الصادقة إلى كتاب الله وعترة نبيّه ليست ترفًا فكريًا ولا شعارًا طائفيًا، بل ضرورة وجودية لإنقاذ أمةٍ أضناها التحريف باسم السلف، وأثقلها التبرير باسم الفقه، وأفقدها بوصلتها باسم “الدين”.