🛑فرجال... news
كركوك – قضاء داقوق
تقرير _محمد يشار قنبر
لازال يقف الجسر العثماني في قضاء داقوق بمحافظة كركوك شامخًا منذ عام 1883م، بعمرٍ يتجاوز 142 عامًا، متحدّيًا عوامل الزمن والسيول، في مشهد يثير الدهشة ويطرح تساؤلات جدية حول معايير البناء الحديثة، لا سيما مع انهيار جسور أُنشئت قبل عام أو عامين فقط جرّاء سيول محدودة.
شُيِّد الجسر بأمر من والي بغداد مدحت باشا (مِدْهات باشا) في أواخر القرن التاسع عشر، ضمن مشروع استراتيجي هدف إلى ربط شمال العراق بالعاصمة بغداد، وكان يمثل آنذاك شريانًا حيويًا لحركة العسكر والتجارة والتنقّل المدني، وأسهم بشكل مباشر في تنشيط التواصل بين مناطق البلاد المختلفة.
اعتمد بناؤه على حجارة الجبال المحلية، وجاء بتصميم هندسي يتألف من نحو اثنتي عشرة فتحة حجرية مقوّسة متجاورة، فيما يُقدَّر طوله بنحو 365 مترًا وعرضه قرابة 7 أمتار، ما جعله نموذجًا متقدّمًا للهندسة العثمانية التي وازنت بين المتانة والوظيفة، واستجابت لطبيعة الطرق الإقليمية والظروف البيئية في تلك الحقبة.
ومع نهاية الحكم العثماني ودخول القوات البريطانية إلى المنطقة، تعرّض الجسر لأضرار جزئية، من بينها انهيار في مقدمته أثناء عبور القوات البريطانية، قبل أن يُعاد ترميمه في عشرينيات القرن الماضي عبر إضافة هيكل حديدي مستورد من بريطانيا، ليغدو شاهدًا معماريًا على تداخل مرحلتين تاريخيتين متعاقبتين في تاريخ العراق الحديث، هما العهد العثماني وبدايات النفوذ البريطاني.
ويُعد الجسر اليوم معلمًا تراثيًا وسياحيًا بارزًا في قضاء داقوق، إذ يجذب الزائرين والمهتمين بالتاريخ والعمارة، كما ظلّ لسنوات طويلة ممرًا رئيسيًا يربط كركوك ببغداد قبل شق الطرق الحديثة. ويقف هذا الصرح التاريخي شاهدًا حيًّا على جودة البناء القديم ودقته، مقابل التحديات والإخفاقات التي تواجه بعض مشاريع البنى التحتية الحديثة في مواجهة الظروف الطبيعية...