🛑فرجال... news
الدكتور ثامر الناصري
باحث في الثقافة وفنان تشكيلي ونحات
مقترح مشروع إعادة تأهيل الثقافة العراقية .
قراءة سيميولوجية في إعادة بناء الثقافة العراقية وصناعة المستقبل
إلى دولة رئيس مجلس الوزراء العراقي المحترم
دولة الرئيس،
ليس من السهل أن نكتب عن الثقافة العراقية، لأننا لا نتحدث عن قطاعٍ من قطاعات الدولة، ولا عن نشاطٍ موسمي، ولا عن مجموعة مهرجانات ومعارض وندوات تتعاقب في تقويم المؤسسات.
نحن نتحدث عن الذاكرة التي صنعت العراق، وعن المعنى الذي يمنح العراقي شعوره بذاته، وعن القوة الناعمة التي يستطيع العراق من خلالها أن يخاطب العالم باسمه الحقيقي: العراق الذي علّم الإنسان الكتابة، وبنى المدينة، وأنتج القانون، وأقام أولى منظومات المعرفة والجمال.
ومن هنا تبدأ المشكلة.
فالعراق الذي يمتلك واحداً من أثقل الإرث الثقافي في التاريخ، لا ينبغي أن تبقى ثقافته أسيرة مشهد إداري متشظٍ، أو فعاليات متفرقة، أو اجتهادات فردية، أو آليات لا تستطيع أن تكتشف المبدع الحقيقي إلا بعد أن يثبت نفسه خارج مؤسسات بلده.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للثقافة ليس أن تتوقف؛ بل أن تتحول إلى حركة كثيرة بلا مشروع، وإلى مؤسسات بلا رؤية، وإلى نشاط بلا أثر، وإلى إدارة للثقافة بدلاً من صناعة الثقافة.
وهنا تكمن الحاجة إلى مشروع وطني جديد.
⸻
أولاً: حين تفقد الثقافة بوصلتها
من منظور سيميولوجي، لا تقاس قوة الثقافة بعدد المباني أو عدد الفعاليات فقط، وإنما بما تنتجه من علامات ومعانٍ وصور ذهنية عن المجتمع والدولة والإنسان.
فالكتاب علامة.
والمتحف علامة.
والمسرح علامة.
والنصب والمنحوتة علامة.
والأغنية علامة.
واللوحة علامة.
والمكتبة علامة.
والجامعة علامة.
والمهرجان علامة.
بل إن المؤسسة الثقافية ذاتها علامة على صورة الدولة عن نفسها.
وعندما تصبح هذه العلامات متفرقة وغير مرتبطة برؤية وطنية واحدة، فإن المشهد الثقافي يفقد دلالته الكبرى.
وهنا لا تعود المشكلة في غياب المثقف العراقي، ولا في قلة الفنان، ولا في ضعف الموهبة.
المشكلة في النظام الذي يجمع هؤلاء جميعاً تحت سقف واحد.
العراق مليء بالمبدعين.
لكن الثقافة العراقية ما زالت بحاجة إلى منظومة تستطيع أن تتعرف إلى مبدعيها، وتحتضنهم، وتحمي استقلالهم، وتمنحهم أدوات الإنتاج، وتوصلهم إلى العالم.
⸻
ثانياً: فوضى الثقافة ليست فوضى المبدعين
ومن الإنصاف أن نقول إن المشكلة ليست في المثقف العراقي.
المشكلة في غياب المنظومة التي تجعل المبدع جزءاً من مشروع وطني مستدام.
فالفنان الذي يعمل منفرداً، والكاتب الذي يبحث عن منفذ للنشر، والمسرحي الذي يبحث عن خشبة، والموسيقي الذي يبحث عن فضاء، والباحث الذي يبحث عن مؤسسة، والمخرج الذي يبحث عن تمويل، والنحات الذي يبحث عن مكان لعمله، جميعهم في النهاية يواجهون السؤال نفسه:
أين البيت الثقافي العراقي الذي يجمعنا؟
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن نضعه أمام الدولة.
ليس المطلوب أن تمنح الدولة كل فنان وظيفة، ولا أن تموّل كل نشاط، ولا أن تجعل الثقافة امتيازاً لفئة بعينها.
المطلوب هو أن تبني النظام الذي يجعل الكفاءة تصل إلى فرصتها، والإبداع يصل إلى جمهوره، والموهبة تجد أدواتها، والمؤسسة تعمل وفق معيار واضح.
⸻
ثالثاً: الثقافة العراقية بحاجة إلى إعادة تعريف
لقد آن الأوان أن ننتقل من مفهوم:
وزارة تدير الثقافة
إلى مفهوم:
دولة تبني المنظومة الثقافية.
وهذا التحول ليس تغييراً في الكلمات، بل تغيير في فلسفة العمل.
الثقافة ليست باباً إدارياً.
وليست وظيفة.
وليست نشاطاً احتفالياً.
وليست صورة في مناسبة.
إنها بنية تحتية للوعي الوطني.
وكما تحتاج الدولة إلى طرق وجسور وموانئ ومطارات وشبكات طاقة واتصالات، فإنها تحتاج أيضاً إلى بنية تحتية ثقافية تحفظ الذاكرة، وتصنع المعرفة، وتحتضن الإبداع، وتنتج الصورة الحضارية للعراق.
ومن هنا فإن الاستثمار في الثقافة ليس إنفاقاً ترفياً.
إنه استثمار في الثروة الحقيقية للعراق: الإنسان.
⸻
رابعاً: مشروع إعادة تأهيل الثقافة العراقية
ما نحتاج إليه ليس تغيير أشخاص فقط، وإنما إعادة بناء المنظومة.
فالأشخاص يتغيرون، أما الأنظمة فتبقى.
ولهذا أقترح مشروعاً وطنياً لإعادة تأهيل الثقافة العراقية يقوم على إعادة ترتيب مؤسساتها وأدواتها وأولوياتها وفق رؤية واحدة:
العراق أولاً… والثقافة للجميع… والكفاءة معيار القيادة.
ويقوم المشروع على محاور متكاملة:
1. إعادة بناء الخريطة المؤسسية للثقافة
إجراء مراجعة شاملة للمؤسسات والدوائر والمراكز الثقافية، وتحديد اختصاص كل مؤسسة، وإلغاء التداخل والازدواجية، وربط المؤسسات بمؤشرات أداء واضحة.
2. بناء البنية التحتية الثقافية
إنشاء وتأهيل:
* المسارح.
* المتاحف.
* دور السينما.
* المكتبات العامة.
* المراكز الثقافية.
* قاعات الفنون.
* مراكز الفنون المعاصرة.
* بيوت الثقافة في المحافظات.
* مراكز الفنون للأطفال والشباب.
* أرشيف وطني للفنون والثقافة.
* منصات رقمية للمعرفة والإبداع.
والمهم ألا تكون هذه الأبنية مجرد جدران.
المبنى الثقافي الحقيقي هو الذي ينتج معرفة وفناً وحواراً واقتصاداً وفرصاً.
وتشير التطورات الرسمية الحالية إلى وجود توجه نحو مشاريع للبنية التحتية الثقافية، ومنها مدينة بغداد الثقافية ومدينة المتاحف وتأهيل شارع المتحف العراقي، وهي مشاريع يمكن أن تكون جزءاً من رؤية وطنية أوسع إذا جرى ربطها بمنظومة متكاملة. (Telegram)
⸻
خامساً: إنشاء “بيت الثقافة العراقية”
أقترح أن يكون للعراق بيت ثقافي وطني جامع، ليس بديلاً عن المؤسسات القائمة، وإنما مظلة معرفية وتنظيمية تجمع المبدعين والمثقفين والفنانين والباحثين والمفكرين والمتميزين.
بيت لا يسأل:
من أي مدينة أنت؟
ومن أي جهة جئت؟
ومن تعرف؟
وإلى أي مؤسسة تنتمي؟
بل يسأل سؤالاً واحداً:
ماذا تستطيع أن تقدم للعراق؟
وهنا تتحول الثقافة من شبكة علاقات إلى شبكة كفاءات.
ومن التزاحم على الفرص إلى صناعة الفرص.
ومن الفردية إلى العمل المؤسسي.
⸻
سادساً: إعادة الاعتبار إلى الكفاءة
أخطر ما يمكن أن يصيب مؤسسة ثقافية هو أن يصبح معيار الوصول إليها بعيداً عن الاختصاص والكفاءة والإبداع.
ولهذا فإن إعادة بناء الثقافة يجب أن تقوم على حوكمة ثقافية جديدة:
* الاختصاص قبل المحاصصة.
* الكفاءة قبل العلاقات.
* الإنجاز قبل الظهور.
* المشروع قبل المناسبة.
* الاستحقاق قبل المجاملة.
* الشفافية قبل النفوذ.
* التقييم قبل التجديد.
ولا يعني ذلك إقصاء أحد.
بل يعني أن تصبح المؤسسات مفتوحة أمام الجميع وفق معايير عادلة ومعلنة.
⸻
سابعاً: إنهاء الإدارة التي تستهلك الثقافة
الثقافة لا يمكن أن تنهض إذا أصبحت الإدارة هدفاً بذاتها.
المؤسسة الثقافية يجب أن تكون خادمة للمشروع الثقافي، لا أن يتحول المشروع الثقافي إلى وسيلة لبقاء المؤسسة الإدارية.
ومن هنا فإن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى مراجعة شجاعة للمنظومة الإدارية الحالية، لا بهدف تصفية الحسابات مع أحد، وإنما بهدف:
تحويل الإدارة من مركز سلطة إلى أداة خدمة.
فالمسؤول الثقافي الناجح ليس من يملك أكبر عدد من الملفات، وإنما من يستطيع أن يفتح الطريق أمام أكبر عدد من المبدعين
.ً
وهنا أصل إلى قضية أراها جوهرية.
الثقافة ليست منفصلة عن الأمن الوطني.
المجتمع الذي يفقد ذاكرته يصبح أكثر عرضة للتشظي.
والمجتمع الذي يفقد رموزه يصبح أكثر قابلية لاستيراد رموز الآخرين.
والمجتمع الذي لا يمنح شبابه معنى للانتماء، يترك فراغاً يمكن أن تملأه أفكار متطرفة أو هويات ضيقة أو سرديات خارجية.
لذلك فإن بناء الثقافة العراقية هو في جانب منه:
بناء للمناعة المجتمعية.
إن المسرح، والكتاب، والمتحف، والفن، والموسيقى، والتعليم الثقافي، والتراث، ليست أدوات ترف.
إنها أدوات لبناء الإنسان العراقي القادر على أن يرى اختلافه بوصفه ثراءً، لا تهديداً.
⸻
تاسعاً: عراق متعدد… وثقافة واحدة
العراق ليس لوناً واحداً.
وهذه ليست مشكلة العراق، بل واحدة من أعظم ثرواته.
فيه العربي والكردي والتركماني والشبكي والإيزيدي والمسيحي والصابئي وغيرهم من مكونات صنعت عبر التاريخ نسيجاً عراقياً بالغ التعقيد والجمال.
وفيه بغداد والبصرة والموصل وأربيل والنجف وكربلاء والسليمانية والناصرية والسماوة والأنبار وديالى وكركوك وسائر المدن والمحافظات التي تحمل لكل واحدة منها صوتها وذاكرتها وخصوصيتها.
ومن الخطأ أن نحاول صناعة ثقافة عراقية بإلغاء التنوع.
الصحيح هو أن نصنع:
ثقافة عراقية من التنوع.
فالوحدة ليست أن نتشابه.
الوحدة أن نختلف ونبقى عراقيين.
⸻
عاشراً: من الثقافة المحلية إلى القوة الناعمة العراقية
العراق يمتلك ما لا تستطيع دول كثيرة أن تشتريه بالمال:
العمق الحضاري.
لكن الحضارة إذا لم تتحول إلى قوة ثقافية معاصرة، تبقى محفوظة في الكتب.
نحن بحاجة إلى تحويل الإرث العراقي إلى صناعة ثقافية حديثة:
* أفلام.
* مسلسلات.
* رسوم متحركة.
* ألعاب رقمية.
* متاحف تفاعلية.
* موسيقى.
* فنون بصرية.
* ترجمة.
* نشر دولي.
* مهرجانات عالمية.
* معارض متنقلة.
* برامج ثقافية للأطفال.
* محتوى رقمي عالمي.
العراق يجب ألا يكتفي بأن يقول للعالم:
نحن أصحاب أقدم الحضارات.
بل ينبغي أن يجعل العالم يقول:
ما زال العراق يصنع الحضارة.
⸻
الحادي عشر: الثقافة كاقتصاد
إن الثقافة ليست عبئاً على الاقتصاد.
الثقافة يمكن أن تكون جزءاً من الاقتصاد الوطني.
فالفيلم منتج.
والكتاب منتج.
والفن التشكيلي منتج.
والتصميم منتج.
والحرفة التراثية منتج.
والمهرجان صناعة.
والمتحف يمكن أن يكون محركاً للسياحة.
والمدينة الثقافية يمكن أن تكون محركاً للاستثمار.
ولهذا يجب أن ننتقل من مفهوم تمويل الثقافة إلى مفهوم اقتصاد الثقافة والصناعات الإبداعية.
وهنا يمكن للعراق أن يبني قطاعاً جديداً يوفر فرصاً للشباب ويجذب السياحة ويخلق أسواقاً للفنانين والمصممين والناشرين والموسيقيين وصناع المحتوى.
⸻
الثاني عشر: قاعدة بيانات وطنية للمبدعين
أقترح إنشاء السجل الوطني للمبدعين العراقيين.
قاعدة بيانات وطنية رقمية تشمل:
الفنانين، المثقفين، الكتاب، الشعراء، المسرحيين، الموسيقيين، السينمائيين، الباحثين، النحاتين، المصممين، الحرفيين، المبتكرين، والمواهب الشابة.
بحيث يصبح للدولة للمرة الأولى خريطة حقيقية لرأس مالها الثقافي والبشري.
وهذه الخطوة يمكن أن ترتبط بالتوجه الجاري نحو الرقمنة وحفظ المعرفة الوطنية؛ فمشروع المكتبة الوطنية الرقمية الذي تعمل عليه وزارة الثقافة يمثل مثالاً على أهمية بناء بنية معرفية رقمية تحفظ الوثائق والمخطوطات وتتيحها للباحثين. (Telegram)
⸻
الثالث عشر: مجلس وطني استشاري للثقافة
ومن الضروري أن يكون للمبدعين صوت مؤسسي.
لذلك أقترح تشكيل مجلس وطني استشاري للثقافة والفنون يضم شخصيات عراقية مشهوداً لها بالكفاءة والاستقلال والخبرة، من مختلف التخصصات والمناطق والمكونات.
وظيفته ليست إدارة الوزارة.
بل:
تقديم الرؤية، وتقييم السياسات، ومراجعة المشاريع، وقياس أثرها الثقافي.
وبذلك لا تبقى القرارات الثقافية رهناً برؤية إدارية فردية.
⸻
الرابع عشر: الثقافة العراقية تحتاج إلى مشروع لا إلى موسم
دولة الرئيس،
لقد تعب العراق من المشاريع التي تبدأ مع مؤتمر وتنتهي بانتهاء المؤتمر.
الثقافة تحتاج إلى مشروع يمتد لسنوات.
مشروع له:
أهداف، وموازنات، ومؤشرات أداء، وجداول زمنية، ومسؤوليات، ومراجعة سنوية.
وأقترح أن يكون لدينا:
“الاستراتيجية الوطنية للثقافة العراقية 2030”
وأن تكون لها أهداف قابلة للقياس في:
* البنية التحتية.
* حماية التراث.
* دعم الإبداع.
* التحول الرقمي.
* التعليم الثقافي.
* الصناعات الإبداعية.
* الترجمة والنشر.
* الحضور الثقافي الدولي.
* رعاية الشباب.
* دعم المحافظات.
* الاستثمار الثقافي.
⸻
الخامس عشر: لماذا أنا؟
وقد يتساءل البعض:
لماذا يطرح الدكتور ثامر الناصري هذه الرؤية؟
والجواب ليس لأنني أبحث عن موقع.
بل لأنني أعتقد أن الثقافة العراقية تحتاج اليوم إلى مشروع يؤمن بها قبل أن يديرها.
أنا فنان وباحث في الثقافة، وعشت طويلاً بين الفن والفكر والمؤسسة، واشتغلت على قضايا الثقافة والمجتمع، وأدرك أن ما ينقص الثقافة العراقية ليس المبدعون.
ما ينقصها هو أن تجتمع طاقات المبدعين داخل مشروع واحد.
ولهذا أضع خبرتي ومشروعي ورؤيتي أمام الدولة، لا باعتبارها امتيازاً شخصياً، وإنما باعتبارها مقترحاً قابلاً للتنفيذ.
⸻
السادس عشر: أطلب الثقة لا الامتياز
دولة الرئيس،
لا أطلب أن تمنحوني امتيازاً.
ولا أطلب موقعاً من أجل الموقع.
ولا أطلب أن يكون اسمي فوق مؤسسة.
إنما أطلب شيئاً أكثر صعوبة وأكثر مسؤولية:
امنحونا فرصة أن نرتب أوراق الثقافة العراقية.
امنحونا الثقة بأن نعيد قراءة المشهد.
امنحونا مساحة للعمل.
امنحونا فرصة لإعادة بناء المؤسسات على أساس الكفاءة.
امنحونا فرصة لجمع المبدعين في بيت واحد.
امنحونا فرصة لأن نجعل الثقافة العراقية آمنة في إدارتها، قوية في مؤسساتها، جميلة في تنوعها، معاصرة في أدواتها، وعظيمة في حضورها الدولي.
⸻
السابع عشر: من الفوضى إلى المعنى
في القراءة السيميولوجية، لا تصبح العلامة قوية لأنها موجودة فقط، وإنما لأنها تحمل معنى.
والعراق يمتلك آلاف العلامات الثقافية.
لكنه يحتاج إلى أن يعيد ترتيبها داخل سردية وطنية جديدة.
سردية تقول:
إن العراقي ليس وريثاً للحضارة فقط.
بل شريك في صناعة حضارة جديدة.
إن المتحف ليس مخزناً للماضي.
بل مختبر للمستقبل.
إن الفنان ليس زينة للمناسبات.
بل منتج للوعي.
إن المثقف ليس صوتاً هامشياً.
بل شريك في صناعة القرار الثقافي.
إن الكتاب ليس سلعة.
بل أداة لبناء الإنسان.
وإن الثقافة ليست وزارة فقط.
بل مشروع دولة.
⸻
الثامن عشر: العراق الذي نريده
نريد عراقاً يستطيع فيه الطفل أن يدخل مكتبة عامة فيجد كتاباً.
ويستطيع الشاب أن يدخل مركزاً ثقافياً فيجد فرصة.
ويستطيع الفنان أن يدخل مؤسسة فيجد احتراماً.
ويستطيع الباحث أن يدخل أرشيفاً فيجد المعرفة.
ويستطيع السائح أن يدخل متحفاً فيجد العراق.
ويستطيع العالم أن يبحث عن الثقافة العراقية فيجدها حاضرة بلغات العالم.
نريد ثقافة لا تسأل المبدع:
من يقف خلفك؟
بل تسأله:
ماذا صنعت
⸻
التاسع عشر: كلمة إلى دولة الرئيس
دولة الرئيس،
إن ترتيب الثقافة ليس ترفاً سياسياً.
إنه ترتيب للذاكرة.
وترتيب للذاكرة هو ترتيب للهوية.
وترتيب للهوية هو حماية للمجتمع.
وحماية المجتمع هي جزء من بناء الدولة.
ولهذا أضع بين أيديكم هذا النداء:
لا تجعلوا الثقافة ملفاً مؤجلاً.
فالعراق الذي بدأ منه تاريخ المدينة والكتابة والمعرفة يستحق أن يبدأ منه أيضاً مشروع عربي وعالمي جديد للثقافة.
نحن لا نحتاج إلى أن نبحث عن هوية العراق في الخارج.
نحتاج فقط إلى أن نعيد ترتيب البيت العراقي لكي تظهر هويته من الداخل.
⸻
العشرون: عهد ثقافي جديد
دولة الرئيس،
أضع أمامكم مشروعاً يمكن أن يكون بداية لعهد ثقافي جديد:
ثقافة بلا إقصاء.
ثقافة بلا فوضى.
ثقافة بلا تبعية.
ثقافة بلا محاصصة.
ثقافة تحترم الاختصاص.
ثقافة تحمي المبدع.
ثقافة تستثمر في الشباب.
ثقافة تصنع الاقتصاد.
ثقافة تحفظ الذاكرة.
ثقافة تحترم التنوع.
وثقافة تعيد للعراق مكانته التي يستحقها.
وأضع نفسي، بخبرتي ومشروعي ورؤيتي، تحت ثقة الدولة ومسؤوليتها.
لا لأكون جزءاً من المشكلة،
بل لأكون جزءاً من الحل.
ولا لأدير واقعاً مترهلاً،
بل لأشارك في إعادة بنائه.
ولا لأصنع ثقافة لشخص،
بل لأعمل من أجل ثقافة وطن.
⸻
الخاتمة
دولة الرئيس،
قد تتغير الحكومات.
وقد تتغير الإدارات.
وقد تتغير العناوين.
لكن ما يبقى هو ما تزرعه الدولة في عقل الإنسان ووجدانه.
ولهذا فإن أعظم مشروع يمكن أن نقدمه للعراق ليس مشروعاً يبني حجراً فقط، وإنما مشروعاً يبني الإنسان الذي يحمي الحجر والمعنى والذاكرة والوطن.
العراق لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الكلام عن عظمة ماضيه.
العراق يحتاج إلى مشروع يجعل عظمته القادمة امتداداً لعظمته الأولى.
وهذا هو التحدي.
وهذه هي اللحظة.
وهذا هو المشروع الذي أضعه أمام دولتكم:
إعادة تأهيل الثقافة العراقية وبناء منظومتها الجديدة على أساس الكفاءة، والتنوع، والبنية التحتية، والتحول الرقمي، والاقتصاد الإبداعي، وحماية المبدع، وصناعة القوة الناعمة للعراق.
فإذا أُعيد بناء الثقافة،
أُعيد بناء جزء من روح العراق.
وإذا أُعيد للثقافة اعتبارها،
أُعيد للعراق بعضٌ من صورته التي يستحق أن يراها العالم.
دولة الرئيس،
امنحونا الثقة ودعونا نرتب أوراق الثقافة العراقية.