🛑فرجال...news
(بقلم الدكتور مصطفى الموسوي)....
تُعد العشيرة مكوّناً اجتماعياً أصيلاً في البنية العراقية، ويشكل شيوخها مرجعية اجتماعية في الصلح والإصلاح وتماسك النسيج المجتمعي. وقد مرّ دور العشيرة بمرحلتين متباينتين:
الأولى: مرحلة ما قبل التغيير، التي اتسمت بتوظيف العشيرة وتسييسها.
*الثانية*: المرحلة الراهنة بعد التغيير، التي شهدت إعادة الاعتبار للعشيرة بوصفها شريكاً فاعلاً في بناء الدولة واستقرار المجتمع، وفق رؤية حزب الدعوة الإسلامية.
وتهدف هذه الدراسة إلى تحليل دور شيوخ العشائر والعشائر في المرحلتين، وبيان ملامح الخط الدعوي لحزب الدعوة الإسلامية في التعامل معهما، ورصد العطاء الذي قدّمته العشائر في هذا السياق.
أولاً: الإطار المفاهيمي
1. العشيرة: جماعة اجتماعية تقوم على رابطة النسب والدم والمصير المشترك، وتستند إلى قيم التضامن والنخوة والكرم والنجدة.
2. شيخ العشيرة هو الوجيه الممثل للعشيرة، والمرجع في فض النزاعات، ورمز الهيبة والاحترام الاجتماعي.
3. رؤية حزب الدعوة الإسلامية: تقوم على اعتبار العشيرة امتداداً طبيعياً للمجتمع، ورافداً للأمن الاجتماعي، وشريكاً في ترسيخ قيم الدولة والقانون. وترتكز هذه الرؤية على الاحترام، التكامل، عدم الاستبدال
قال تعالى: `يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا`.
ثانياً: واقع شيوخ العشائر والعشائر ما قبل التغيير
اتسمت هذه المرحلة بتسييس المؤسسة العشائرية وتوظيفها في غير سياقها الاجتماعي الأصيل.
1. مظاهر التوظيف والتسييس
أ. الربط بالمؤسسة الرسمية: أُنشئت هياكل عشائرية مرتبطة بالسلطة، وغدا الولاء السياسي معياراً لاختيار الشيوخ.
ب. استخدام العشيرة أداة تعبئة وُظّف النفوذ العشائري في تأييد قرارات السلطة وتعبئة الرأي العام.
ج. إقصاء المرجعيات الأصيلة: أُبعد كثير من شيوخ العشائر التاريخيين أصحاب القبول الاجتماعي، وحلّ محلهم من يفتقر إلى الأهلية والوجاهة.
2. انعكاسات ذلك على الدور الاجتماعي
أ. ازدواجية الدور: وقع الشيخ بين التزام اجتماعي موروث وتوجيهات سياسية، فضعفت هيبته.
ب. تراجع وظيفة الصلح: طغى الطابع الأمني على دور الشيخ، فتراجع دوره في الإصلاح المجتمعي.
ج. تأجيج النزاعات استُخدمت العشيرة أحياناً في مواجهة عشائر أخرى، مما أحدث شرخاً في النسيج الاجتماعي.
د. تغييب الخطاب الوطني: اختُزل دور العشيرة في الدعم السياسي، وغاب دورها في البناء الوطني.
3. النتيجة
تحولت العشيرة من مؤسسة اجتماعية مستقلة إلى أداة إدارية تابعة، ففقدت جزءاً من استقلاليتها ومصداقيتها المجتمعية.
ثالثاً: واقع شيوخ العشائر والعشائر ما بعد التغيير في ضوء رؤية حزب الدعوة الإسلامية*
شكلت هذه المرحلة انطلاقة لإعادة الاعتبار للعشيرة وتفعيل دورها الإيجابي.
1. الأسس التي قامت عليها الرؤية
أ. *الشراكة لا التبعية*: التعامل مع العشيرة بوصفها شريكاً في الأمن والاستقرار، لا أداة تنفيذ.
ب. إعادة الاعتبار للمرجعيات الأصيلة: التواصل مع شيوخ العشائر التاريخيين وأصحاب القبول الجماهيري.
ج. احترام الخصوصية العشائرية: مع التأكيد على أن الدستور والقانون هما المرجعية العليا.
د. الخطاب الدعوي الإصلاحي: خطاب يقوم على الوحدة الوطنية، ونبذ الطائفية، وتعزيز قيم المواطنة.
2. الأدوار التي اضطلعت بها العشائر وشيوخها
أ. *الدور الأمني والمجتمعي:
- إسناد الأجهزة الأمنية في حفظ الاستقرار ومحاربة الإرهاب.
- تشكيل مجاميع عشائرية لحماية المناطق في فترات الأزمات.
- التصدي لخطاب التطرف ونبذه اجتماعياً.
ب. الدور في الصلح والإصلاح:
- تفعيل ‘‘الفصل العشائري‘‘ وفق الضوابط الشرعية والقانونية.
- احتواء النزاعات العشائرية ومنع تفاقمها.
- التخفيف عن القضاء في القضايا ذات الطبيعة الاجتماعية.
ج. الدور الدعوي والتوعوي:
- نشر قيم الاعتدال والوسطية في المجالس العشائرية.
- دعم قيم التعايش السلمي بين مكونات المجتمع.
- المشاركة في الحملات التوعوية الانتخابية والصحية والتعليمية.
د. الدور في البناء والإعمار:
- دعم مشاريع الخدمات في المناطق العشائرية.
- تشجيع أبناء العشائر على التعليم والانخراط في مؤسسات الدولة.
- تفعيل التكافل الاجتماعي في الأزمات والكوارث.
3. العطاء الذي قدمته العشائر في الخط الدعوي لحزب الدعوة الإسلامية
أ. السند الجماهيري: شكّلت العشائر حاضنة اجتماعية لخطاب الحزب الداعي إلى الوحدة ونبذ التفرقة.
ب. الجسور المجتمعية: أسهم شيوخ العشائر في إيصال رسالة الحزب وشرح المشروع السياسي إلى القواعد الشعبية.
ج. الحماية المجتمعية: وقف كثير من الشيوخ مع الدولة في مواجهة الإرهاب، وقدّموا تضحيات جسيمة.
د. ترسيخ السلم الأهلي: لعبت العشائر دوراً محورياً في احتواء النزوح ومنع النزاعات الطائفية في مناطقها.
هـ. الالتزام بالمسار الدستوري: تمثلت المشاركة الفاعلة في الانتخابات والعملية السياسية.
رابعاً: مقارنة تحليلية بين المرحلتين
المعيارما قبل التغييرما بعد التغيير في ضوء رؤية حزب الدعوة
طبيعة العلاقة توظيف وتسييس شراكة واحترام متبادل
معيار اختيار الشيخ الولاء السياسي القبول الاجتماعي والتاريخ
وظيفة الشيخ أداة تنفيذية مرجعية اجتماعية وإصلاحية
الخطاب السائدخطاب أمني ودعائي خطاب وطني ودعوي وإصلاحي
مجال العطاء محدود وموجه واسع في الأمن والصلح والدعوة
الغايةتثبيت السلطة بناء الدولة والمجتمع
خامساً: التحديات وسبل المعالجة
1. التحديات
أ. *تداخل العرف مع القانون: في بعض القضايا.
ب. ظهور دخلاء على المشيخة: يفتقرون إلى الأهلية والوجاهة.
ج. السلاح المنفلت: يؤثر على هيبة الدولة والعشيرة معاً.
2. المعالجات المقترحة
أ. تفعيل مجالس العشائر: بالتنسيق مع الحكومة المحلية والقضاء.
ب. برامج تأهيل للشيوخ: في مجالات القانون وحقوق الإنسان والإدارة.
ج. ترسيخ مبدأ ‘‘الدولة أولاً": مع احترام دور العرف في الإصلاح الاجتماعي.
د. دعم المبادرات العشائرية: في مجالات التوعية ومكافحة المخدرات والتطرف.
تخلص هذه الدراسة إلى أن العشيرة العراقية وشيوخها مكون أصيل لا يمكن تجاوزه في معادلة الاستقرار والبناء.
في مرحلة ما قبل التغيير: جرى توظيف العشيرة وتسييسها، ففقدت جزءاً من دورها الطبيعي.
في المرحلة الراهنة: أعادت رؤية حزب الدعوة الإسلامية للعشيرة اعتبارها، ووضعتها في موقع الشريك في بناء الدولة، عبر خطاب دعوي يقوم على الوحدة والعدل والمواطنة.
وقد قدّمت العشائر عطاءً ملموساً في هذا الخط: في ميدان الأمن، وميدان الصلح، وميدان الدعوة إلى التسامح، وفي إسناد مؤسسات الدولة. وإن مستقبل العراق يقتضي تعزيز هذا التكامل بين مؤسسات الدولة الرسمية والمؤسسة العشائرية الأصيلة.