🛑فرجال...news
(بقلم الدكتور مصطفى الموسوي)...
إن وزارة الداخلية العراقية ليست وزارة كباقي الوزارات، بل هي صمام أمان الدولة ودرع المجتمع وحصنه الداخلي. تحرس الشارع والبيت والسوق والمدرسة، وتذود عن السكينة العامة من الفوضى والجريمة والإرهاب. وقد لقب منتسبوها بالعيون الساهرة، لأنهم يسهرون حين ينام الناس، ويقفون في الحر والبرد حين يستريح الناس، وهم حراس الوطن في الداخل، فالوطن لا يصان بالسلاح على الحدود فحسب، بل يصان بالأمن في الأزقة والدروب.
التأسيس والتاريخ
تأسست وزارة الداخلية مع تأسيس الدولة العراقية الحديثة في سنة ألف وتسعمائة وإحدى وعشرين، وكانت تسمى آنذاك نظارة الداخلية، وكان من أول مهامها تنظيم شؤون الشرطة والجنسية وإدارة الولايات. وفي العهد الجمهوري اتسعت مهامها وأنشئت مديريات كبرى كمديرية الشرطة العامة ومديرية الجنسية العامة ومديرية المرور العامة.
وفي مرحلة ما بعد عام ألفين وثلاثة خاضت الوزارة أصعب اختبار في تاريخها، إذ انهار الجهاز الأمني بكامله، ودخل العراق في موجة من الإرهاب والعنف، فأعيد بناء الوزارة من الصفر. واستشهد الآلاف من ضباطها ومنتسبيها في معارك تحرير المدن من تنظيمي القاعدة وداعش الإرهابيين، وقدمت أكثر من ثلاثين ألف شهيد وجريح، حتى تحررت الأرض واستقر الأمن.
الهيكل التنظيمي
تقوم وزارة الداخلية على منظومة متكاملة، كل مديرية فيها تمثل عينا ساهرة في ميدان اختصاصها.
فوكالة الوزارة لشؤون الشرطة هي العمود الفقري للوزارة، وتضم قيادات شرطة المحافظات وشرطة النجدة والشرطة المحلية وأفواج الطوارئ وشرطة حماية المنشآت.
ووكالة الوزارة للاستخبارات والتحقيقات الاتحادية هي العقل المدبر للعمل، وتضم مديرية الاستخبارات ومديرية مكافحة الإجرام ومديرية مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية ومديرية الأدلة الجنائية.
وأما قيادة قوات الشرطة الاتحادية فهي قوة قتالية نظامية شاركت في جميع معارك التحرير، من بيجي إلى الفلوجة إلى الموصل.
وأما قيادة قوات الحدود فهي التي تمسك بحدود العراق الممتدة مع ست دول، وتمنع التسلل والتهريب.
وأما المديريات الخدمية فتشمل مديرية الأحوال المدنية والجوازات والإقامة التي تصدر البطاقة الوطنية وجواز السفر، ومديرية المرور العامة التي تنظم حركة المركبات، ومديرية الدفاع المدني التي تكافح الحرائق والكوارث.
لماذا سميت بالعيون الساهرة
سميت بالعيون الساهرة لثلاثة أسباب.
الأول هو السهر الميداني الدائم، فمنتسب وزارة الداخلية لا يعرف عطلة العيد ولا عطلة الجمعة، فشرطي المرور يقف في الشمس اللاهبة، وشرطي النجدة يطارد المجرم بعد منتصف الليل.
والثاني هو الرصد الاستباقي للجريمة، فالعيون الساهرة لا تنتظر وقوع الجريمة، بل ترصدها قبل أن تقع، فالاستخبارات تتعقب خلايا المخدرات، ومكافحة الإجرام تلاحق عصابات الخطف والسرقة، والأدلة الجنائية ترفع البصمات وتكشف الجاني بالعلم لا بالشك.
والثالث هو حضورها في كل تفاصيل حياة المواطن، فمنذ ولادة المواطن إلى وفاته هو مع وزارة الداخلية، فشهادة الميلاد منها، والبطاقة الوطنية منها، وجواز السفر منها، وإجازة السوق منها، وحماية المدرسة والجامعة والمستشفى منها.
حراس الوطن ودورهم في حفظ الأمن
إن وزارة الداخلية هي حارس الوطن في الداخل، وتضطلع بخمسة أدوار أساسية.
الدور الأول هو مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة ومسك الأرض المحررة ومنع عودة الخلايا النائمة وتنفيذ عمليات يومية لتفكيك الشبكات الإرهابية.
والدور الثاني هو مكافحة آفة المخدرات، وهي المعركة الأخطر في هذه المرحلة، فقد تحول العراق من ممر للمخدرات إلى سوق مستهدف، وتمكنت مديرية مكافحة المخدرات من ضبط أطنان من المواد المخدرة وتفكيك شبكات دولية.
والدور الثالث هو ترسيخ القانون وهيبة الدولة، فلا دولة بلا قانون، ولا قانون بلا شرطة تطبقه.
والدور الرابع هو تقديم الخدمات للمواطن، فقد تحولت الوزارة في السنوات الأخيرة من تشكيل يضطلع بالجانب الميداني فقط إلى وزارة خدمية، فالبطاقة الوطنية الموحدة اختزلت أربع وثائق في وثيقة واحدة، وجواز السفر الإلكتروني العراقي أصبح من الوثائق المتقدمة في المنطقة، ومديرية المرور شرعت بنظام الغرامات الإلكتروني والرقمنة.
والدور الخامس هو حماية السلم المجتمعي عبر الشرطة المجتمعية التي تتدخل لحل النزاعات العشائرية وتحمي الأسرة من العنف وتوعي الشباب من مخاطر الابتزاز الإلكتروني.
التحديات التي تواجه الوزارة
ما زالت الوزارة تواجه تحديات كبرى، أولها التحدي التقني، إذ أصبحت الجريمة إلكترونية ذكية تستخدم الشبكة العنكبوتية والعملات الرقمية، وهذا يتطلب تطوير الأدلة الجنائية والتحول الرقمي. وثانيها التحدي الاقتصادي المتمثل في تزايد عدد السكان والمركبات وما يستدعيه من موارد إضافية. وثالثها التحدي المجتمعي المتمثل في ضعف ثقافة احترام القانون لدى بعض الفئات.
مديرية الإعلام والعلاقات العامة
هي لسان وزارة الداخلية الناطق وعدستها التي يرى الناس من خلالها. إذا كانت سائر المديريات تعمل بسلاحها، فإن هذه المديرية تعمل بكلمتها وصورتها. فهي تنتج الأفلام التوعوية التي تحذر من المخدرات والابتزاز الإلكتروني والاتجار بالبشر، وتطلق حملات التوعية المرورية حول الالتزام بالإشارة وارتداء حزام الأمان وعدم استعمال الهاتف أثناء القيادة. وهي خط الدفاع الأول عن الحقيقة في مواجهة الشائعات، فعند وقوع أي حادث تصدر بيانا رسميا فوريا يقطع الطريق على الصفحات الكاذبة. وهي التي توثق بطولات الشهداء والجرحى، وتبرز جهود الضمان الصحي وعطاء صندوق الشهداء، وتجعل الوفاء ثقافة عامة.
مديرية شكاوى المواطنين
إذا كانت مديرية الإعلام هي لسان الوزارة الذي يتكلم، فإن مديرية شكاوى المواطنين هي أذن الوزارة التي تسمع وتنصف، وهي من أهم مديريات الوزارة لأنها حولتها من جهاز يصدر الأوامر إلى جهاز يصغي إلى الناس.
تستقبل الشكاوى عبر الخط الساخن المجاني ومنصة عين العراق والمقابلات المباشرة والبريد الإلكتروني الرسمي، سواء كانت شكوى ضد تأخر معاملة جواز سفر أو بطاقة وطنية أو معاملة مرورية، أو شكوى ضد تجاوز أو ابتزاز أو فساد.
ولكل شكوى رقم وتاريخ، وتحول فورا إلى المديرية المعنية وتلزم بالرد خلال اثنتين وسبعين ساعة، وتتابع المديرية الرد حتى يصل إلى المواطن، فإن لم تحل ترفع مباشرة إلى مكتب الوزير. وتتعامل المديرية مع الشكاوى بسرية تامة وتحمي هوية المشتكي وتضمن عدم تعرضه لأي ضغط.
ومن خلال تحليل آلاف الشكاوى شهريا تكتشف المديرية مواطن الخلل المتكرر، فإذا تكررت الشكاوى على دائرة بعينها كان ذلك مؤشرا على وجوب إصلاحها. كما تعزز الثقة بين الشرطة والمجتمع، فالمواطن الذي يجد من ينصفه يتحول من متفرج إلى شريك في حفظ الأمن. وهي مرتبطة ارتباطا وثيقا بمديرية شؤون العشائر ومديرية الضمان الصحي وصندوق الشهداء ومديرية الشهداء والجرحى.
مديرية شؤون العشائر
لا يمكن فهم الأمن في العراق دون فهم العشيرة، فالعشيرة ليست مجرد انتماء اجتماعي، بل هي نظام اجتماعي عرفي يحكم حياة الملايين. ولهذا أنشأت وزارة الداخلية مديرية شؤون العشائر لتكون الجسر بين القانون الرسمي والعرف العشائري.
تتدخل المديرية فور وقوع أي نزاع عشائري مسلح لإيقاف إطلاق النار وعقد الصلح وفق الأعراف التي لا تتعارض مع القانون. وتحارب الظواهر الدخيلة كظاهرة الدكة العشائرية والنهوة العشائرية والفصل العشائري الجائر، وتعمل على إحالة قضايا القتل إلى القضاء الرسمي. وتستثمر ثقل الشيوخ الأصلاء لدعم القانون، فيحثون أبناء عشائرهم على تسليم المطلوبين ومحاربة المخدرات ومنع المتاجرة بالسلاح والتعاون مع الشرطة.
وهي مرتبطة بمديرية شكاوى المواطنين والشرطة المجتمعية، وبدونها يصعب السيطرة على السلاح المنفلت، فهي التي تمنع تحول الجريمة الفردية إلى حرب جماعية.
مديرية الضمان الصحي والأمور الطبية
إن صحة المنتسب هي أساس قدرته على أداء واجبه، ولا يمكن لرجل أمن قلق على صحته وصحة عائلته أن يسهر على أمن الناس. ولهذا أنشأت وزارة الداخلية مديرية الضمان الصحي لتكون الحصن الصحي للمنتسب وعائلته.
توفر هذه المديرية تأمينا صحيا يشمل الضابط والمنتسب والموظف وعوائلهم، وتتعاقد مع المستشفيات الحكومية والأهلية، وتتحمل نسبة كبيرة من تكاليف العمليات والفحوصات والأدوية المزمنة. وتدير مستشفى الشرطة العام ومراكز طبية تخصصية في قيادات الشرطة، وتجري الفحوصات الدورية للعاملين في الأماكن الخطرة. وعند إصابة أي منتسب أثناء الواجب تتدخل مفارزها فورا لإخلائه إلى أقرب مستشفى وتتابع حالته حتى تستقر.
وهي خط الدفاع الأول عن الجريح، فهي التي تستقبله وتشخص إصابته وتقرر حاجته للعلاج داخل العراق أو خارجه، وتشكل اللجان الطبية لتحديد نسبة العجز، وهي الأساس القانوني الذي تبني عليه مديرية الشهداء والجرحى وصندوق شهداء الشرطة حقوقهم. ولا يقتصر عملها على الجسد، بل يشمل التوعية الوقائية والدعم النفسي للعائدين من الواجبات الصعبة.
صندوق شهداء الشرطة
يعد صندوق شهداء الشرطة الذراع المالي والإنساني الداعم لمديرية الشهداء والجرحى، وقد أسس بقرار رسمي ليكون صندوقا تكافليا مستقلا يعنى بتوفير الدعم المادي الفوري والمستمر لعوائل شهداء وجرحى الشرطة.
والمديرية جهة إدارية قانونية تتابع الحقوق الرسمية، أما الصندوق فهو جهة مالية تضامنية تتدخل بسرعة حين تحتاج العائلة إلى عون مباشر، وكلاهما يعتمد على التقارير الطبية الصادرة من مديرية الضمان الصحي.
يقدم الصندوق منحة استشهاد فورية لعائلة الشهيد ومنحة إصابة للجريح بحسب نسبة العجز، ويقدم سلفا ميسرة وقروضا بلا فوائد لبناء مساكن أو إقامة مشاريع، ويصرف رواتب تكميلية في المناسبات. ويسهم في تحمل تكاليف زراعة الأطراف والعيون وبناء وترميم دور عوائل الشهداء ويدفع بدل إيجار لمن لا يملك سكنا. ويتكفل بدفع الأقساط الدراسية لأبناء الشهداء في المدارس والجامعات ويقدم منحا تشجيعية للمتفوقين.
ويعتمد الصندوق في تمويله على استقطاعات رمزية من رواتب منتسبي الوزارة وعلى التبرعات، وهذا يمنحه دلالة أخلاقية عظيمة، فهو تكافل داخلي يجسد وحدة الجسد الواحد.
مديرية الشهداء والجرحى
إن الوفاء للشهداء والجرحى هو معيار شرف أي وزارة، وقد أولت وزارة الداخلية هذا الملف أهمية استثنائية فأنشأت مديرية الشهداء والجرحى لتكون بيتا ثانيا لعوائل من ضحوا بأرواحهم ودمائهم من أجل العراق.
تتولى هذه المديرية إنجاز معاملات الشهداء بسرعة، من إصدار الأوامر الإدارية الخاصة بالاستشهاد إلى متابعة استحصال الحقوق التقاعدية وقطع الأراضي والمنح المالية بالتنسيق مع مؤسسة الشهداء وهيئة التقاعد الوطنية. وتنظم زيارات ميدانية دورية لعوائل الشهداء في جميع المحافظات لمتابعة أحوالهم المعيشية والصحية والدراسية. وتقيم المهرجانات السنوية لتكريمهم وتطلق أسماء الشهداء على الشوارع والقاعات وتوثق بطولاتهم في سجلات الشرف.
وأما الجرحى الأبطال فتتابع المديرية علاجهم داخل العراق وخارجه بالتنسيق مع مديرية الضمان الصحي، وتتحمل نفقات العمليات والعلاج الطبيعي والأطراف الصناعية. والجريح الذي لا يستطيع العودة إلى العمل الميداني لا يسرح، بل يعاد تأهيله وينقل إلى عمل إداري يليق بتضحيته مع احتفاظه بكامل حقوقه وترقياته.
وهكذا تعمل المنظومة كلها في تكامل وثيق، فالإعلام صوت الوفاء، وشكاوى المواطنين أذن الوفاء، وشؤون العشائر سلم الوفاء، والضمان الصحي جسد الوفاء، وصندوق الشهداء مال الوفاء، ومديرية الشهداء والجرحى عهد الوفاء.
إن وزارة الداخلية العراقية هي بحق العيون التي لا تنام. ففي الوقت الذي ينام فيه المواطن قرير العين في بيته، هناك شرطي يسهر في نقطة تفتيش، وضابط استخبارات يتعقب خلية، ورجل دفاع مدني يطفئ حريقا، وشرطي مرور ينظم السير.
ومديرية الإعلام تنقل صورة هذا السهر، ومديرية شكاوى المواطنين تصغي إلى صوت الناس، ومديرية شؤون العشائر تحفظ السلم المجتمعي، ومديرية الضمان الصحي تحفظ صحة الساهر، وصندوق شهداء الشرطة يجبر خاطر عائلة الشهيد، ومديرية الشهداء والجرحى تحفظ العهد.
فكل التحية لعيوننا الساهرة، وكل التقدير لحراس وطننا، ورحم الله شهداء الداخلية الأبرار، وحفظ جرحاها الأبطال، وحفظ الله العراق ومن يحرسه في الداخل قبل الخارج.
مجموعتنا في الواتساب