🛑فرجال... news
بقلم _محمد حسن الساعدي
يخوض العراق منذ سقوط النظام السابق قبل أكثر من ثلاثة وعشرين عاماً مساراً تاريخياً بالغ التعقيد تتداخل فيه ذكريات المعاناة بمرارة الحاضر، وتتلاطم فيه طموحات الشعب بالتحديات المتراكمة التي حالت دون الوصول إلى استقرار ناجز ومستدام، فلقد شكل عام 2003 نقطة تحول نادرة أطاحت بديكتاتورية عتيدة وفتحت الأبواب على مصراعيها نحو تحول ديمقراطي مأمول، غير أن الواقع أفرز تجربة معلقة،إذ نشأت مؤسسات سياسية قائمة على توافقات هشّة وسرعان ما استقرت على نهج المحاصصة الحزبية والطائفية، ما جعل القرار الوطني رهينة للتوازنات الضيقة والاستقطابات الإقليمية على حساب إرادة المواطنين والمصلحة العليا للبناء المؤسسي وامتدت آليات هذا التأزم لتشمل الملف الأمني والسياسي في سنوات التجربة الأولى، حيث تسبب الفراغ الناتج عن هدم أركان الدولة في صعود جماعات مسلحة متعددة التوجهات والخطابات الأيديولوجية، وهو ما قوض هيبة الدولة وأربك النسيج المجتمعي وشل قدرة الأجهزة الرسمية ولقد وجد المواطن العراقي نفسه مكابداً بين آفتي الإرهاب الشرس والفساد الإداري والمالي المتغلغل في مفاصل المؤسسات، قبل أن تتحول العديد من تلك القوى المسلحة والسياسية إلى أمر واقع نافذ داخل النظام السياسي أو على هامشه وفي غضون ذلك، لم يسلم الاقتصاد من تداعيات هذا الهيكل المؤسسي العليل، فبالرغم من التدفقات المالية الهائلة المتأتية من صادرات النفط العالية، عجزت الدولة عن تحويل هذه الثروات الاستثنائية إلى قاعدة تنموية متينة، إذ صُرفت الميزانيات الضخمة في الإنفاق التشغيلي وتضخيم الكادر الوظيفي والدعم غير المنتج، وتراجعت مشاريع البنية التحتية من كهرباء وصحة وتعليم وماء، مما أفضى إلى ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وتعميق الشعور بالخذلان المجتمعي تجاه جدوى التغيير ذاته.
ولم تكن الساحة السياسية ببعيدة عن هذه التعقيدات، إذ رغم الاستحقاقات الانتخابية الدورية، بقيت الحكومات المتعاقبة مشلولة بالانقسامات الداخلية ومكبلة بالضغوط الخارجية التي اتخذت من الأراضي العراقية ميداناً مفتوحاً لتصفية الحسابات والنفوذ، مما خصم من سيادة العراق وقدرته على رسم سياسات مستقلة، وأعاق المحاولات الوطنية الصادقة التي يسعى أصحابها لإعادة بناء دولة المواطنة الجامعة أمام جدار المصالح الضيقة الفاسدة وعلى الصعيد الاجتماعي، أفرزت التحولات الكبرى هجرة متوالية وتغيرات ديموغرافية حادة أوهنت أواصر التعايش والتنوع التاريخي، بيد أن الحركة الشعبية الشبابية في السنوات الأخيرة برهنت بوضوح عن تشكل وعي وطني جديد يرنو لتجاوز الانقسامات وإحياء هوية جامعة تعيد للعراق مكانه ومكانته.
إن النهوض من هذه المحنة الشاملة وتصحيح مسار التجربة العراقية يتطلبان حزمة متكاملة من الحلول الرصينة والسياسات الاستراتيجية الجريئة التي تخاطب أصل المشكلات وتقتلع جذور الفساد والارتهان، إذ يكمن مدخل الإصلاح الأساسي في تفكيك منظومة المحاصصة الطائفية والحزبية والانتقال نحو بناء دولة المواطنة وسيادة القانون، عبر إقناع كافة القوى الوطنية بإقرار قانون أحزاب صارم يحظر امتلاك أي أذرع مسلحة خارج إطار المؤسسات الرسمية، وضمان حصانة السلاح بيد الدولة حصراً عبر إصلاح القطاع الأمني وتوحيد العقيدة العسكرية ولضمان تحسين الأداء الإداري والسياسي، يتعين تفعيل أجهزة الرقابة والنزاهة المستقلة، وتطبيق التحول الرقمي الكامل في كافة المعاملات والمناقصات الحكومية لقطع دابر الفساد المالي وتجفيف منابعه.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يتوجب على الدولة التخلي التدريجي عن النموذج الريعي المعتمد كلياً على النفط، وإطلاق استراتيجية تنموية شاملة تتضمن تأسيس صندوق سيادي لإدارة عائدات الطاقة وتوجيه الجزء الأكبر منها نحو الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الصناعة والزراعة والسياحة، ودعم القطاع الخاص لتمكينه من استيعاب الطاقات الشبابية والحد من البطالة المستشرية كما يجب توجيه الاستثمارات العاجلة لإصلاح البنية التحتية المتهالكة من خلال عقد شراكات استراتيجية شفافة مع شركات عالمية مرموقة لتطوير قطاع الطاقة والتوزيع والشبكة المائية وتحديث المنظومتين التعليمية والصحية ولتحصين السلم الأهلي وتعزيز الاستقرار الداخلي، ينبغي الشروع في برنامج وطني للمصالحة المجتمعية الشاملة يستند إلى العدالة الانتقالية، وإعادة بناء الهوية الوطنية في المناهج التعليمية والخطاب الإعلامي، مع فتح آفاق المشاركة السياسية والتنموية أمام الأجيال الشبابية الواعدة.، العراق على المستوى الخارجي ينبغي ان يعمد إلى تبني سياسة خارجية متوازنة تعتمد مبدأ الحياد الإيجابي وتصفير الأزمات، وتحويل البلاد من ساحة للصراعات إلى مركز إقليمي للتكامل الاقتصادي والتجاري الذي يخدم المصالح الوطنية العليا ويثبت أركان الاستقرار والسيادة.
يقف العراق اليوم أمام مفترق طرق حاسم ينحصر فيه الخيار بين استثمار المكاسب القائمة وتجارب العقود الماضية لتشييد دولة مؤسسات راسخة، أو المضي في الانزلاق داخل حلقة الأزمات والانسدادات المتكررة. إن التغيير المنشود ليس حدثاً طارئاً بل عملية تراكمية تتطلب رؤية استراتيجية واضحة وقيادة حكيمة تضع المصلحة الوطنية الشاملة فوق كل اعتبار حزبية أو فئوية، لاستغلال الموقع الجغرافي الفريد والموارد الطبيعية والطاقات البشرية المعطاءة في بناء مستقبل يليق بعراقة هذا الوطن وتطلعات أبنائه.