🛑فرجال... news
(بقلم طالب علوم اهل البيت عليهم السلام الدكتور مصطفى الموسوي)...
لو سألت نفسك: من أين جئت؟ ولماذا أنا هنا؟ وإلى أين أمضي؟ فإن الجواب يكمن في خمسة عوالم، عشت أولها، وتعيش ثانيها، وستعيش الثلاثة الباقية حتما.
قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية: كنتم أمواتا في عالم الذر، فأحياكم في عالم الأرحام، ثم يميتكم في عالم الدنيا، ثم يحييكم في عالم البرزخ، ثم إليه ترجعون يوم القيامة.
وهذه هي خارطة الطريق الكاملة للإنسان من الأزل إلى الأبد.
العالم الأول: عالم الذر، عالم الميثاق والفطرة
أولا: الدليل الشرعي
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾.
وعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: إن الله أخذ الميثاق على العباد وهم أظلة قبل الميلاد، فعرفهم نفسه، ولولا ذلك لم يعرف أحد ربه. وقال أيضا: إن الله آخى بين الأرواح في الأظلة قبل أن يخلق الأجساد بألفي عام.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.
ثانيا: الدليل العقلي الفلسفي
قال أفلاطون: إن الإنسان كان يعيش في عالم المثل، ورأى الحقائق هناك، ثم نسيها حين نزل إلى الدنيا، فالتعلم هو تذكر، وهذا هو عينه عالم الذر.
ويقتضي المنطق أن لكل إنسان ميزانا داخليا يميز به الخير من الشر بغير معلم، فالطفل إذا كذب احمر وجهه، فمن الذي علمه أن الكذب قبيح؟ لا بد أنه تعلم قبحه في عالم سابق.
وقال صدر المتألهين الملا صدرا: إن النفس موجودة قبل البدن بوجود روحي مجمل، ثم تتفصل في البدن.
ودور هذا العالم من جهة العقل أنه يفسر العدالة الإلهية، فلماذا يحاسبنا الله؟ لأنه أشهدنا على أنفسنا هناك، فلا عذر لنا هنا، ولولا ذلك الميثاق لكان الحساب ظلما، وتعالى الله عن الظلم علوا كبيرا.
ثالثا: الدليل الطبي العلمي
يقول الطب: إنك لم تبدأ في بطن أمك، بل بدأت قبلها بملايين السنين.
أما نظرية الحمض النووي DNA: ففي كل خلية من جسدك شريط طوله متران، فيه ثلاثة مليارات حرف، وهو نسخة من أبيك وأمك الممتدة إلى آدم. وقد قال فرانسيس كولينز رئيس مشروع الجينوم البشري: إن كل إنسان يحمل في جيناته تاريخ البشرية منذ آدم، وهذا هو عالم الذر بلغة الطب، أي الذاكرة الجينية.
وأما علم ما فوق الجينات Epigenetics: فيقول إن أثر جوع الجد وخوفه يبقى في جينات حفيده. فقد أثبتت دراسة أجريت على أحفاد مجاعة هولندا سنة 1944 أنهم أكثر إصابة بالسكري إلى اليوم. وقد قال الإمام الصادق عليه السلام: إن النطفة إذا وقعت في الرحم فيها أخلاق الآباء.
وأما نظرية الوعي الكوانتمي: فقد قال العالمان روجر بنروز وستيوارت هاميروف: إن الوعي كان موجودا قبل الدماغ كحقل في الكون، والدماغ كالمذياع يستقبله. وهذا يوافق قول الإمام علي عليه السلام: الروح في الجسد كالمعنى في اللفظ.
ودور عالم الذر الجامع أنه سبب الفطرة، وسبب المحبة والبغض الفجائيين، وحجة الله علينا، وشريطنا الوراثي وذاكرتنا الروحية.
العالم الثاني: عالم الأرحام، مصنع الإنسان
أولا: الدليل الشرعي
قال الله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.
وعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: إن النطفة تبقى في الرحم أربعين يوما، ثم تصير علقة أربعين يوما، ثم تصير مضغة أربعين يوما، ثم يبعث الله ملكين فيصوران ما في الأرحام ذكرا أو أنثى، ويكتبان رزقه وأجله. وقال أيضا: إذا دنا مولد الطفل بعث الله ملكا فقال له: انظر ماذا ترى، فيرى الدنيا، ولهذا يبكي الطفل عند الولادة.
ثانيا: الدليل العقلي الفلسفي
يقول المنطق: لا يمكن لإنسان أن يصنع إنسانا، ولا يمكن لمختبر في العالم أن يحول نطفة إلى عين تبصر وأذن تسمع وعقل يفكر، فلا بد من صانع حكيم. وقد قال ديكارت: من الذي نظم الجنين في بطن أمه؟ لا بد من عقل أعظم من عقل الأم.
وقال صدر المتألهين: إن الجنين يمر بحركة جوهرية من جماد إلى نبات ينمو، إلى حيوان يتحرك، إلى إنسان يفكر، وهذا دليل على وجود الله.
ودوره من جهة العقل أنه مصنع القدر المنطقي، فرزقك وأجلك يكتبان هناك، ولكنه قدر معلق يمحوه الدعاء والصدقة وصلة الرحم.
ثالثا: الدليل الطبي العلمي، معجزة السونار
حدد الحديث أربعين يوما نطفة، وأربعين يوما علقة، وأربعين يوما مضغة، ثم نفخ الروح بعد مئة وعشرين يوما، والطب بجهاز السونار ثلاثي الأبعاد يؤكد ذلك.
من اليوم الأول إلى اليوم الأربعين: مرحلة النطفة، حجمها جزء من عشرة من المليمتر، تتعلق بجدار الرحم، ولهذا سماها القرآن علقة. وقد قال الدكتور كيث مور: إن تسمية القرآن علقة دقيقة جدا، لأن الجنين في هذه المرحلة يتعلق ويتغذى كالعلقة.
من اليوم الأربعين إلى اليوم الثمانين: مرحلة العلقة، يبدأ القلب بالنبض في اليوم الثاني والعشرين.
من اليوم الثمانين إلى اليوم المئة والعشرين: مرحلة المضغة، وهي كتلة لحم فيها تثنيات كآثار الأسنان، ثم تتكون العظام وتكسى لحما تماما كما قال الله تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾.
وبعد اليوم المئة والعشرين: نفخ الروح، حيث يبدأ الدماغ بإرسال موجات كهربائية يمكن قياسها بجهاز EEG، ويبدأ الجنين بالسمع والحركة الإرادية، ويسميه الأطباء Quickening، والفقه الإسلامي يحرم الإجهاض بعده لأنه صار إنسانا. وقد قال العالم البريطاني جاريث جونز: إن الحياة العصبية الواعية للجنين تبدأ بعد مئة وعشرين يوما بالضبط.
ومن نظريات الطب الحديث:
نظرية برمجة الجنين Fetal Programming للعالم ديفيد باركر: إن ما تأكله الأم في حملها يبرمج حياة الطفل لأربعين سنة قادمة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أطعموا حبالاكم اللبان، فإن الصبي إذا غذي في بطن أمه باللبان اشتد قلبه وزيد في عقله.
ونظرية السمع الجنيني: فقد أثبتت دراسة في هلسنكي سنة 2013 أن الأجنة التي أسمعت لحنا معينا في بطن أمهاتها هدأت عند سماعه بعد الولادة. وقد قال الإمام الصادق عليه السلام: لا تسمعوا الحامل الغناء، فإن الجنين يسمع.
ودور عالم الأرحام الجامع أنه مصنع القدر، ورزقك يأتيك من دم أمك، وسمعك وتعلمك يبدأ هناك، وشريط حياتك يعرض عليك قبل نزولك، ولهذا كان بر الأم واجبا مضاعفا.
العالم الثالث: عالم الدنيا، دار الامتحان والزراعة
أولا: الدليل الشرعي
قال الله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها. وقال: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. وقال: الدنيا مزرعة الآخرة.
وعن الإمام علي عليه السلام أنه قال: الدنيا دار ممر لا دار مقر. وقال: من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس.
وعن الإمام علي عليه السلام أنه قال: إن الدنيا حلالها حساب وحرامها عقاب.
وعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: ليس منا من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه.
ثانيا: الدليل العقلي الفلسفي
فإن قيل: لماذا خلقنا الله في دنيا مليئة بالحروب والفقر والمرض؟ فالعقل يجيب بخمسة قوانين:
قانون الاختبار: إذ لا قيمة لشهادة بغير امتحان.
وقانون الحرية: فلو خلقنا في الجنة ابتداء لكنا مجبورين كالملائكة، والله أراد مخلوقا يحبه بإرادته لا جبرا.
وقانون التكامل: قال ابن سينا: إن النفس كالحديد لا تصير سيفا إلا إذا دخلت النار وطرقت بالمطرقة، والدنيا هي نارها ومطرقتها.
وقانون النضج: يقول علم النفس إن الإنسان لا ينضج إلا بالألم، فمناعة الروح كمناعة الجسد لا تتكون إلا بالابتلاء.
والمثل السائر: إن الذهب لا يصير ذهبا إلا بالنار.
ودور الدنيا من جهة العقل أنها وحدها عمل بلا حساب، وكل العوالم الأخرى حساب بلا عمل، وهي الجسر الوحيد بين العدم والخلود.
ثالثا: الدليل الطبي العلمي
الدنيا من الناحية الطبية هي مرحلة التوازن بين البناء والهدم Metabolism، فمن الولادة إلى الثلاثين بناء، ومن الثلاثين إلى الستين توازن، وبعد الستين هدم، وهو الموت.
أما نظرية التيلومير وسر الأجل: ففي نهاية كل كروموسوم غطاء يسمى تيلومير يقصر كلما انقسمت الخلية حتى تموت، وطوله هو أجلك. وقد قالت الحائزة على جائزة نوبل سنة 2009 إليزابيث بلاكبيرن: إن التيلومير هو ساعة الموت داخل كل خلية. والحديث قال: ويؤمر بكتب أجله. وقد أثبت الطب أن صلة الرحم والتفاؤل والصلاة تطيل التيلومير، وأن القلق وقطيعة الرحم تقصره، وهذا هو قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: صلة الرحم تزيد في العمر.
وأما نظرية المناعة والذنب Psychoneuroimmunology: فإن الحقد والغيبة يرفعان هرمون الكورتيزول ويضعفان المناعة، والتسامح والعفو يرفعان هرمون الأوكسيتوسين ويقويانها. وقد وجدت دراسة في جامعة هارفارد أن المتسامحين يعيشون سبع سنوات أكثر من الحاقدين. وقال الإمام علي عليه السلام: الحقد داء لا دواء له.
ودور عالم الدنيا الجامع أنه مزرعتك، ستون سنة تحدد أبدية لا تنتهي، حلالها حساب وحرامها عقاب، وكل عمل تسجله خلاياك.
العالم الرابع: عالم البرزخ، عالم القبر والانتظار
أولا: الدليل الشرعي
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة بيض الوجوه معهم كفن من أكفان الجنة. وقال: إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم، فيأتيه ملكان. وقال: القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.
وعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: إذا حشرت الروح في الحلقوم جاء ملك الموت فقال للمؤمن: يا أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة الله. وقال: يسأل الميت في قبره عن خمس: عن صلاته وزكاته وصومه وحجه وولايته. وقال: أرواح المؤمنين في وادي السلام في النجف، يأكلون ويشربون ويتزاورون. وقال: أرواح الكفار في وادي برهوت خلف اليمن. وقال: إن الميت يزوره أهله كل جمعة.
وقال الإمام علي عليه السلام: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.
ثانيا: الدليل العقلي الفلسفي
فإن قيل: كيف يبقى الإنسان حيا بعد تحلل جسده؟ فقال صدر المتألهين: إن للإنسان ثلاثة أجساد، جسد مادي كثيف يسقط بالموت، وجسد مثالي برزخي لطيف يبقى، وجسد عقلي. وبهذا الجسد المثالي يبقى دم الشهيد حارا في البرزخ.
ويقول المنطق: إذا كنت تفرح في المنام وترى حلما جميلا، وتحزن وترى كابوسا، وجسدك نائم على السرير، فلماذا لا تفرح أو تحزن في البرزخ وجسدك ميت؟ فالنوم أخو الموت، وهو برزخ صغير نعيشه كل يوم.
ويقول العقل: لا بد من حياة وسطى، فلو مات إنسان قبل آدم بمئة ألف سنة وبقي بلا حياة إلى يوم القيامة لكان ذلك عبثا. فكما أن الجنين لو كان عاقلا لظن أن بطن أمه هو نهاية العالم، كذلك نظن نحن أن الدنيا هي النهاية، ولا نعلم أن البرزخ أوسع.
ودور البرزخ من جهة العقل أنه محطة تصفية، فالمؤمن الناقص يعاقب قليلا لينظف، والكافر ينعم قليلا ثم يعاقب.
ثالثا: الدليل الطبي العلمي
إن تعريف الموت طبيا قد تطور، من توقف القلب إلى توقف الدماغ إلى خروج الوعي نهائيا بلا رجعة، وهو تعريف الروح في الإسلام.
أما تجارب الاقتراب من الموت NDE: فأكبر دراسة طبية في العالم هي دراسة AWARE التي أجراها الدكتور سام بارنيا في جامعة ساوثهامبتون على ألفين وستين مريضا توقف قلبهم في خمسة عشر مستشفى في بريطانيا وأمريكا. وكانت النتيجة أن أربعين بالمئة منهم قالوا: كنا واعين بعد توقف القلب، ووصف بعضهم أدوات الأطباء بدقة وهو ميت سريريا. وقال بارنيا: إن الوعي لا يموت بموت الدماغ.
وجمع الدكتور ريموند مودي مئة وخمسين حالة في كتابه الحياة بعد الحياة، وكلهم اتفقوا أنهم خرجوا من أجسادهم ورأوا أهلهم الميتين ورأوا شريط حياتهم، وهذا هو قول الإمام الصادق عليه السلام: إذا مات المؤمن عرضت عليه أعماله.
وأما عذاب القبر ونعيمه طبيا: فيقول الأطباء الشرعيون إن الجسم بعد الموت بساعات ينتفخ وتضغط عليه بكتيريا البطن، وهي ضغطة القبر المادية، وهناك ضغطة معنوية من الديون وحقوق الناس. وقد وضعت جامعة ميشيغان سنة 2013 أجهزة EEG على سبعة مرضى يحتضرون، فوجدت موجة كهربائية عالية جدا لحظة الموت كأنه يرى شيئا مرعبا أو مفرحا، وسموها الموجة الأخيرة، وهي سكرة الموت التي قال الله عنها: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾.
ودور عالم البرزخ الجامع أنه أطول العوالم، قد تبقى فيه آلاف السنين، تذهب فيه الأرواح إلى وادي السلام أو إلى برهوت، يتزاورون ويسمعون قرع النعال وينتظرون القيامة، وهو أول انتباه بعد نوم الدنيا.
العالم الخامس: عالم يوم القيامة، يوم الحساب والخلود
أولا: الدليل الشرعي
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾، وقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾، وقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، وقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، وقال: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يبعث كل عبد على ما مات عليه. وقال: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا. وقال: تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق. وقال: يضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز. وقال: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. وقال: ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءا من نار جهنم.
وعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: يوم القيامة خمسون موقفا، كل موقف ألف سنة. وقال: الصراط أدق من الشعرة وأحد من السيف، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالجواد، ومنهم من يحبو حبوا. وقال: لنا شفاعة، ولأهل مودتنا شفاعة. وقال: الميزان هو العدل.
ثانيا: الدليل العقلي الفلسفي، العدالة الحتمية
هل من العقل أن ينتهي كل شيء بالموت، فيموت الظالم الذي قتل مئة نفس على فراشه بلا حساب، ويموت المظلوم بلا إنصاف؟ إن العقل يقول لا بد من محكمة عادلة، وإلا كان خلق الكون عبثا. وقد قال الفيلسوف كانط: إن العقل العملي يوجب وجود يوم آخر ليتحقق العدل.
ودليل الحكمة: إن صانعا أتقن هذا الكون، فجعل لكل عين عدسة ولكل كلية وظيفة، لا يمكن أن يخلق الإنسان عبثا ثم يرميه في التراب. قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾، ومثله كمثل فلاح يزرع قمحا ستة أشهر ثم يحرقه قبل الحصاد، فهل يقال عنه عاقل؟ فهل الله يزرع الإنسان ستين سنة ثم يحرقه بالموت بلا حصاد؟ إن الحصاد هو يوم القيامة.
ودليل بقاء الطاقة: وهو قانون فيزيائي يقول إن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث، بل تتحول من شكل إلى شكل، فروح الإنسان وعقله وحبه طاقة لا تفنى بالموت، بل تتحول في عالم القيامة.
ودوره من جهة العقل أنه يوم إظهار النتائج، بعد دراسة نظرية في عالم الذر، وتكوين في عالم الأرحام، وامتحان في عالم الدنيا، وانتظار في عالم البرزخ.
ثالثا: الدليل الطبي العلمي، هل يمكن البعث علميا
أما علم الاستنساخ Cloning: فنحن اليوم نستطيع أن نأخذ خلية واحدة من بقرة ميتة ونصنع منها بقرة حية كاملة، فإذا كان الإنسان قادرا على ذلك فالذي خلق الخلية أول مرة أقدر. قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
وأما نظرية عجب الذنب Coccyx: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق وفيه يركب. وعجب الذنب هو آخر عظمة في العمود الفقري. وقد حاول علماء ألمان إحراقه وحله بالأحماض وسحقه فلم يفن، لأن فيه خلايا جذعية أولية لا تموت، ومنه يعاد تركيب الإنسان يوم القيامة كالبذرة. وقد جرب الدكتور عثمان جيلان ذلك فلم يحترق.
وأما نظرية الخلود الحراري: فإن القانون الثاني للديناميكا الحرارية يقول إن الكون يتحول ولا يفنى، ويوم القيامة هو يوم التحول الأكبر: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾. وقد قال الفيزيائي ستيفن هوكينج: إن المعلومات في الكون لا تفنى حتى لو دخلت ثقبا أسود، فمعلوماتك وأعمالك ونياتك لا تفنى وستبعث يوم القيامة.
ومراحل يوم القيامة الست الجامعة هي:
النفخ في الصور، نفخة الصعق ونفخة البعث، ينفخها الملك إسرافيل.
والبعث والنشور، يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر، حفاة عراة، كل على نيته.
والحشر، خمسون موقفا كل موقف ألف سنة، والشمس فوق الرؤوس.
والعرض والكتاب والميزان، ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ والميزان عدل.
والصراط والشفاعة، الصراط أدق من الشعرة وأحد من السيف، ثم الشفاعة الكبرى لمحمد وآل محمد.
والجنة والنار، وهما الخلود الذي لا موت بعده.
ودور يوم القيامة الجامع أنه نهاية الرحلة وبداية الأبد، إما جنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وإما نار.
الجدول الجامع النهائي للعوالم الخمسة
العالم - أين كنت شرعا - تفسيره عقلا - تفسيره طبا - مدته
عالم الذر - في ظهر آدم كالذر شهدت بلى - عالم المثل عند أفلاطون والفطرة - الشريط الوراثي DNA والذاكرة الجينية - قبل الدنيا
عالم الأرحام - في بطن أمك في ظلمات ثلاث - حركة جوهرية من جماد إلى إنسان - نطفة علقة مضغة ثم نفخ روح بعد مئة وعشرين يوما - تسعة أشهر
عالم الدنيا - على الأرض دار ممر - قاعة امتحان وحرية وتكامل - استهلاك التيلومير بين بناء وهدم - ستون سنة
عالم البرزخ - في القبر برزخ إلى يوم يبعثون - الجسد المثالي والنوم أخو الموت - الوعي لا يموت وتجارب الاقتراب من الموت - آلاف السنين
عالم القيامة - في المحشر للحساب - عدالة حتمية وحكمة وطاقة لا تفنى - إعادة تركيب من عجب الذنب ومعلومات لا تفنى - أبد الآبدين
العملية النهائية للقارئ
يا ابن آدم، إنك لست ابن اليوم، بل أنت ابن خمسة عوالم:
تذكر عالم الذر: كلما هممت بمعصية فتذكر أنك قلت بلى يا رب، وتذكر أن الحمض النووي لأجدادك فيك.
واشكر عالم الأرحام: فبر أمك، فإنها حملتك وهنا على وهن، ولا تؤذ جنينا، فإن الروح تنفخ فيه بعد مئة وعشرين يوما.
وازرع في عالم الدنيا: ولا تترك يوما بلا صدقة ولا صلاة ولا إصلاح بين الناس، فإن التسامح يطيل تيلوميرك سبع سنوات، والحقد يقطعه.
ونور عالم البرزخ من الآن: فإن الصلاة نور في القبر، وقراءة سورة الملك كل ليلة تمنع عذاب القبر، وإن وعيك سيبقى بعد موت دماغك.
واستعد لعالم القيامة: فتذكر أن معلوماتك لا تفنى، وأن عجب ذنبك لا يبلى، وستركب منه مرة أخرى، فاعمل ليوم ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾.
وقال الإمام علي عليه السلام كلمة جمعت الطب والعقل والشرع:
رحم الله امرءا عرف من أين وفي أين وإلى أين.
من أين: من عالم الذر وعالم الأرحام
وفي أين: في عالم الدنيا
وإلى أين: إلى عالم البرزخ وعالم القيامة
فمن عرفها عرف نفسه، ومن عرف نفسه عرف ربه.
ارجو من الاخوه والاخوات القراء على تنسوني من الدعاء شكرا لكم على حسن القراءه والاصغاء