🛑فرجال...news
بقلم الكاتب : حيدر جاسب البهادلي/ ميسان
لا تمثل الموازنة العامة للدولة مجرد أرقام و جداول للإيرادات و النفقات ، بل هي الأداة المالية التي تُترجم من خلالها السياسات الحكومية إلى خدمات و مشروعات و فرص عمل .
و من هنا فإن تأخر إعداد مشروع قانون الموازنة الإتحادية لعام 2027 و إحالته إلى مجلس النواب ، يثير تساؤلات جدية بشأن قدرة المؤسسات التنفيذية و التشريعية ، على حسم أحد أهم الملفات المرتبطة بالإستقرار الإقتصادي و المعيشي للمواطن العراقي .
وقد أشارت تقارير صحفية حديثة إلى إعادة مشروع الموازنة إلى وزارة المالية ، لإستكمال التخصيصات اللازمة للوزارات المتحدثة ، في وقت تتزايد فيه الدعوات النيابية إلى الإسراع بإحالته إلى البرلمان قبل إنتهاء الفصل التشريعي..!!
و إذا كانت هذه الإجراءات تستهدف إستكمال المتطلبات المالية و الإدارية ، فإنها ينبغي ألا تتحول إلى سبب إضافي لتأخير إقرار الموازنة ، بل يجب إنجازها ضمن توقيتات واضحة و مسؤولة..!!
ومن الناحية القانونية : ألزم قانون الإدارة المالية الإتحادية رقم 6 لسنة 2019 ، ففي المادة 11 ، مجلس الوزراء يناقش مشروع الموازنة و إقراره و تقديمه إلى مجلس النواب ، قبل منتصف شهر تشرين الأول من كل سنة .
كما رسم الدستور العراقي إطاراً لأختصاص السلطتين التنفيذية و التشريعية في إعداد الموازنة و إقرارها .
و بذلك فإن الإلتزام بالتوقيتات المالية ليس مسألة إدارية ثانوية ، بل جزء من إنتظام عمل الدولة و قدرتها على التخطيط و الإنفاق وفق الأطر القانونية .
و تنعكس إطالة أمد إعداد الموازنة و إقرارها على الإقتصاد الوطني من خلال إرباك التخطيط المالي ، و تأخير إطلاق المشروعات الجديدة ، و إضعاف قدرة الوزارات و المحافظات على تحديد أولوياتها التنموية .
كما قد تؤثر في حركة الإستثمار و الأنشطة المرتبطة بالإنفاق الحكومي ، و تؤجل مشروعات البنى التحتية و الإعمار و تحسين الخدمات ، ولا سيما في القطاعات التي تمس حياة المواطنين ، بصورة مباشرة كالصحة و التعليم و الماء و الطرق .
أما المواطن فهو الطرف الأكثر تأثراً بتداعيات هذا التأخير ، خصوصاً الخريجين الذين ينتظرون فرص التعيين و المتعاقدين ، الذين يترقبون حسم أوضاعهم الوظيفية ، و العاملين في القطاع التربوي و التعليمي الذين يطالبون بمراجعة مخصصاتهم بما ينسجم مع طبيعة مسؤولياتهم ، و أهمية الدور الذي يؤدونه في بناء الأجيال ..!!
وقد أُعلنت بالفعل توجيهات و مقترحات تتعلق بتخصيص درجات وظيفية للخريجين القدامى ، و معالجة ملف العقود..غير أن الأثر الفعلي لهذه التوجهات يظل مرهوناً ، بإدراجها ضمن التخصيصات القانونية و المالية ، و إقرارها وفق الضوابط النافذة .
ومن الضروري أن تتضمن الموازنة المقبلة معالجة واقعية و منصفة لهذه الملفات من خلال دراسة تثبيت العقود المستوفية للشروط القانونية ، و تخصيص درجات وظيفية للخريجين القدامى ، وفق الحاجة الفعلية للمؤسسات الحكومية و مبدأ تكافؤ الفرص ، فضلاً عن مراجعة مخصصات الملاكات التربوية و التعليمية على أسس قانونية و مالية واضحة .
فهذه المطالب لا ينبغي أن تبقى مجرد وعود تتجدد مع كل موسم لإعداد الموازنة بل تحتاج إلى قرارات قابلة للتنفيذ ، تخصيصات محددة و آليات معلنة .
وفي المقابل لا يمكن إغفال التحديات المالية التي يواجهها العراق ، وفي مقدمتها تقلب الإيرادات النفطية و إتساع الإلتزامات الحكومية .
وهذا ما يستوجب إعداد موازنة واقعية تراعي الإستدامة المالية ، وتحد من الهدر و تعزز الإيرادات غير النفطية ، وتوجه الإنفاق نحو الأولويات الفعلية ، بدلاً من تأجيل الإستحقاقات أو تحميل المواطن تبعات الاختلالات في التخطيط و الإدارة .
إن المسؤولية المشتركة للحكومة ومجلس النواب تقتضي الإسراع في إستكمال مشروع الموازنة ، و إقراره وفق الأصول الدستورية و القانونية ، مع ضمان الشفافية في تحديد الأولويات و التخصصات .
فالموازنة ليست إستحقاقاً للمؤسسات الحكومية وحدها ، و إنما هي التزام تجاه المواطن وحقه في خدمات مستقرة و فرص عادلة و تنمية حقيقية ..!!
إن نجاح الموازنة لا يُقاس بموعد إقرارها فحسب ، بل بقدرتها على تحويل المال العام إلى نتائج ملموسة في حياة الناس .
وكلما تأخر القرار المالي أتسعت الفجوة بين الوعود الحكومية و إنتظارات المواطنين ، لذلك فإن حسم هذا الملف لم يعد خياراً قابلاً للتأجيل ، بل ضرورة إقتصادية و قانونية و خدمية .