🛑فرجال...news
أياد السماوي
قرار رفع سعر صرف الدولار ليس مجرد تغيير في رقم سعر الصرف ، بل قرار تمتد آثاره إلى الموازنة والأسعار والقدرة الشرائية وكلفة الاستيراد ومجمل النشاط الاقتصادي .. لذلك فإنّ السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند لماذا رفعت الحكومة سعر الدولار ؟ بل يتعين أن نذهب إلى السؤال الأهم من سيدفع كلفة هذا القرار ؟
من الناحية المالية ، تبدو الفائدة المباشرة واضحة رفع سعر الدولار يعني أنّ الحكومة تحصل على دنانير أكثر مقابل كل دولار من إيراداتها النفطية .. فإذا ارتفع سعر احتساب الدولار من 1320 إلى 1500 دينار ، فإن كل مليار دولار من الإيرادات النفطية يوفر للخزينة نحو 180 مليار دينار إضافية .. لكن هذه المعادلة لها وجه آخر ، فالدولار الذي تحصل الحكومة مقابله على دنانير أكثر ، هو نفسه الدولار الذي يحتاجه المستورد لتمويل وارداته .. وعندما ترتفع كلفة الدولار ترتفع كلفة استيراد السلع والمواد الأولية والآلات وقطع الغيار ، وينتقل جزء من هذه الزيادة ، بدرجات متفاوتة إلى أسعار السوق .. وهنا تظهر الكلفة التي تمس المواطن مباشرة .. فالمواطن العراقي يتقاضى دخله بالدينار ، لكنه يشتري جزءًا كبيرًا من احتياجاته في اقتصاد يرتبط بالدولار ، ولهذا قد يبقى راتبه كما هو من الناحية الاسمية ، بينما تنخفض قدرته الشرائية إذا ارتفعت أسعار السلع والخدمات .. وهذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها ، زيادة الإيرادات الدينارية للحكومة قد تقابلها زيادة في كلفة المعيشة على المواطن ..
هل يعالج القرار العجز أم يؤجله ؟ لا شك أن رفع سعر الصرف يمنح الموازنة متنفسًا ماليًا ، لكنه لا يعني أن المشكلة المالية قد عولجت ، فالعراق سيظل يحصل على كمية الدولارات النفطية نفسها ما لم تتغير كميات الإنتاج أو أسعار النفط ، الذي يتغير هو عدد الدنانير التي يحصل عليها مقابل تلك الدولارات ..
ومن هنا فإن السؤال الأهم ليس كم دينارًا إضافيًا سيدخل الخزينة ، وإنما ماذا ستفعل الحكومة بهذه الموارد الإضافية ؟
إذا استُخدمت في إصلاح المالية العامة ، وضبط الإنفاق ، وزيادة الإيرادات غير النفطية ، وتمويل مشاريع إنتاجية ، فقد تكون جزءًا من معالجة أوسع .. أما إذا استُخدمت لتغطية استمرار النمط نفسه من الإنفاق ، فإنها لن تعالج أصل المشكلة ، وإنما تمنح الموازنة مساحة مؤقتة قبل أن تعود الاختلالات من جديد .. الإصلاح لا ينبغي أن يبدأ من المواطن ، والعجز المالي لا يُعالج بسعر الصرف وحده .. هناك حاجة إلى مراجعة الإنفاق العام ، ومكافحة الهدر ، وتوسيع الإيرادات غير النفطية ، وإصلاح الضرائب والكمارك ، ومعالجة التسرب المالي ، وإعادة النظر في أداء المؤسسات والشركات الحكومية ، والأهم بناء اقتصاد أكثر إنتاجًا وأقل اعتمادًا على النفط ..
لذلك إذا ارتفع سعر الدولار وارتفعت معه الأسعار ، بينما بقي الإنتاج المحلي ضعيفًا ، والإنفاق غير الضروري قائمًا ، والإيرادات غير النفطية محدودة ، والاقتصاد معتمدًا على النفط ، فإن جزءًا من كلفة العجز سينتقل عمليًا من الموازنة إلى السوق والمواطن .. وهنا تكمن مسؤولية الحكومة الحقيقية أن تثبت أن الإيرادات الإضافية الناتجة عن القرار ستُستخدم لإصلاح الاختلالات ، لا لتمويل استمرارها .. فالمواطن ليس مسؤولًا عن تضخم الإنفاق العام ، ولا عن ضعف الإيرادات غير النفطية ، ولا عن اعتماد الاقتصاد المفرط على النفط .. ولذلك لا ينبغي أن يكون هو الحلقة الأسهل في سلسلة الإصلاح المالي .. الاختبار الحقيقي يبدأ بعد القرار ..
ليس المهم فقط مقدار ما سيدخل إلى الخزينة من دنانير إضافية ، وإنما ما سيحدث للاقتصاد بعد ذلك ..هل ستنضبط النفقات ؟ هل ستتوسع الإيرادات غير النفطية ؟ هل سيرتفع الإنتاج المحلي ؟ هل سيتراجع الاعتماد على الاستيراد ؟ هل سيُحافظ على القدرة الشرائية للمواطن ؟ وهل ستتحول الموارد الإضافية إلى استثمار وإنتاج وتنويع اقتصادي ؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد ما إذا كان رفع سعر الدولار جزءًا من إصلاح اقتصادي حقيقي ، أم مجرد معالجة مالية آنية .. فالعراق لا يحتاج فقط إلى موازنة تحصل فيها الدولة على دنانير أكثر ، وإنما إلى اقتصاد ينتج أكثر ، وينفق بكفاءة أكبر ، ويعتمد بدرجة أقل على النفط ..
وإذا كان رفع سعر الدولار ضرورة مالية ، فعلى الحكومة أن تثبت أن هذه الضرورة ستكون جسرًا إلى الإصلاح ، لا فاتورة جديدة يدفعها المواطن العراقي ..